مقالات صحفية

“بيروت تنتظر ما ستؤول اليه طهران” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

كل الأنظار تتركز على التطورات الأميركية_الإيرانية. وكلما تقدم الوقت كلما ارتفع منسوب الضربة العسكرية الأميركية على إيران. ومع تعاظم الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدته اللافتة يوم أمس، تتضاءل أكثر فأكثر الآمال بحصول انعطافة اللحظات الأخيرة باتجاه تسوية سياسية. وقد يكون ترامب، ومن خلال إيران، يبحث عن صفقة تحدث صدمة في الداخل الأميركي، وتزيح عن كاهله المشاكل الداخلية الكبيرة، والتي تؤرق الحزب الجمهوري إنتخابيا.
نهاية الأسبوع الماضي توقع العديد من الدول، وفي طليعتها إسرائيل، بأننا على بعد ساعات معدودة من الضربة الأميركية على إيران. لكن ذلك لم يحصل، في وقت أبدت فيه طهران، وبأشكال مختلفة، إستعدادها للتفاوض مع واشنطن ولكن من دون شروط مسبقة.وجاء إتصال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واضحا في هذا الإتجاه، وحيث أبدى بزشكيان ترحيبه بأي مسار يمنع الحرب، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن الرئاسة الإيرانية. ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والذي يراهن على ضربة عسكرية تؤدي لإحداث تغيير جدي ونهائي على مستوى السلطة في إيران، بدا قلقا من حصول تسوية اللحظات الأخيرة، وهو الذي اختبر عن قرب التقلبات السياسية لترامب. ونشرت القناة 12 الإسرائيلية تقريرا نسبته الى مسؤولين إسرائيليين يفيد بوجود تقديرات حول محادثات سرية بين طهران وواشنطن، وأن إسرائيل متخوفة من التوصل الى “إتفاق نووي سيء”. في الواقع فإن إسرائيل تعتبر أن أي اتفاق قد يحصل الآن سيكون سيئا. فهي تسعى لتغيير جذري على مستوى النظام الديني الذي يحكم إيران.
إلا أن الأجواء والمعلومات الموجودة لدى العواصم الحليفة مع واشنطن في الشرق الأوسط، تتحدث عن قرار جرى اتخاذه على مستوى القيادة الأميركية بالقيام بعملية عسكرية ضد إيران، بهدف إجراء تغيير جذري على مستوى السلطة القائمة. وهذا ما عبر عنه السيناتور الأميركي المقرب جدا من ترامب ليندسي غراهام، إضافة الى كلام المستشار الألماني حول أن النظام الإيراني يعيش أيامه الأخيرة. ولكن لماذا جرى تأجيل ساعة الصفر والتي كانت تتوقعها العديد من العواصم نهاية الأسبوع الماضي؟ فوفق المعلومات المتداولة على مستوى عواصم عربية والتي يعود مصدرها الى العاصمة الأميركية، فإن العملية الأميركية تأجلت بضعة أيام بناء على طلب القيادة العسكرية لحاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” لأن ما تزال غير جاهزة لتنفيذ المهمة بنجاح. ولذلك جرى طلب مهلة إضافية وهي أسبوع، لاستكمال الخطوات التحضيرية المطلوبة. وحاملة الطائرات تقوم عادة بمسح راداري وإلكتروني واسع النطاق لكشف أنظمة الرصد والدفاع المقابلة، تمهيدا لوضعها أهدافا للطائرات الحربية. وبانتظار إكتمال هذه الترتيبات العسكرية عمدت البحرية الأميركية لملء الوقت عبر القيام بمناورات تمهيدية واسعة. ووفق هذه المعلومات فإن العواصم المعنية في الشرق الأوسط تعتقد بأن قرارا نهائيا إتخذ بشن العملية العسكرية، والتي ستدوم بضعة أيام، والتي ستهدف للذهاب الى مرحلة إنتقالية على مستوى قيادة البلاد، وسط ترجيحات بإيلاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذه المرحلة الإنتقالية الى جانب وزير الخارجية عدنان عرقجي. وتردد سابقا بأن الهدف الأول يقضي باغتيال رأس النظام أي المرشد علي خامنئي ومن ثم ضرب مفاصل الحرس الثوري والذي يشكل الذراع التنفيذية للنظام القائم. لكن ردود فعل شاجبة صدرت رفضا لإغتيال خامنئي، لاسيما من المرجع الشيعي الكبير السيد السيستاني، والذي اعتبر أن إغتيال مرجع ديني بحجم خامنئي سيكون له آثارا قوية على مستوى كامل الطائفة الشيعية.
وفي المقابل باتت طهران تتعامل مع الظروف وكأن الحرب حاصلة حتما، حيث عمدت على نشر وحدات الحرس الثوري على طول سواحلها الجنوبية ومزودة بصواريخ مضادة للسفن، خاصة في مضيق هرمز وبحر الخليج، مع التركيز على نقاط إستراتيجية مثل جزيرتي قشم وبندر عباس لمواجهة الأسطول الأميركي. وهي عمدت أيضا الى إبراز مخالبها الإقليمية، وخصوصا في لبنان من خلال حزب الله. ومن هذه الزاوية جرى تفسير الكلام المكتوب الذي أطلقه أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم وبحضور السفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني، والذي حمل عنوانا واضحا: لسنا على الحياد. وفي الوقت نفسه رفعت الفصائل العراقية الموالية لإيران من حالة التأهب والجاهزية “للإنخراط عسكريا الى جانب إيران” وسط تصعيد سياسي بدعم وصول نوري المالكي الى رئاسة الحكومة.
لكن “مخالب” إيران الإقليمية لاسيما في لبنان، لم تعد بالقوة التي قامت عليها سابقا. لا بل أنها باتت تمنح إسرائيل الذريعة التي تطلبها لاستكمال مشروعها التدميري والتوسعي. لدرجة أن هنالك من يعتقد بأن رفع صوت حزب الله يصيب السلطة القائمة في لبنان قبل إسرائيل. في وقت تتصرف فيه السلطة اللبنانية وكأنها متراجعة وعاجزة حتى عن الرد على الكلام الذي قيل، في وقت يزداد حرجها مع استمرار الغارات الإسرائيلية اليومية، والتي يعجز الجميع عن مواجهتها.
ولأن المشهد الإقليمي على المستوى الإيراني يقف على مشارف تغييرات كبرى وحاسمة، إن حربا أو من خلال تسوية سياسية، فإن الملفات والإستحقاقات اللبنانية جرى تأجيلها بانتظار ما ستؤول إليه الأمور. ولهذا السبب تحديدا جرى تأجيل إجتماع الميكانيزم حتى 25 شباط المقبل. فإذا كانت التطورات المنتظرة ستدفع باتجاه واقع إيراني جديد، فإنه من المنطقي تجميد أي حركة للميكانيزم بانتظار الصورة التي ستظهر. أضف الى ذلك إحتمال حصول تطورات حربية قد تطال حزب الله في لبنان، ما سيعني إرساء معادلة ميدانية جديدة، ستفتح الأبواب أمام “ميكانيزم” آخر، أي “ميكانيزم” سياسي وديبلوماسي وليس عسكري حصرا، وهو ما طالب نتنياهو به دائما، وألمحت إليه واشنطن بطرق عدة.
ولأن المشهد على المستوى الإيراني ما يزال ضبابيا ومشوشا وغير محسوم الإتجاه إن عسكريا أو ديبلوماسيا، فإن الضغط الأميركي ما يزال يدفع باتجاه حسم السلطة اللبنانية لقرار ذهابها لتطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني، والتي يرفضها حزب الله بالمطلق، وملوحا بمواجهة كربلائية. وبدا وكأن جرعات الدعم التي أعطيت لبيروت إنما جاءت بمثابة منشطات محدودة، وليس أبدا كدعم كامل وثابت. فالدعم القطري هدف لمنع الإنهيار ولا يحاكي حلولا جذرية، خلافا للترويج اللبناني له. كما أن مؤتمر دعم الجيش والذي حدد في الخامس من شهر آذار، بدا أقرب الى صوت في البرية منه الى الدعوة الجدية للمؤتمر. فحتى باريس التي سعت بكل جهد لتحديد موعد انعقاد المؤتمر بدت وكأنها باتت تشكك بانعقاده في موعده بعدما لمست عدم حماسة واشنطن والرياض واللتين تشترطان حصول تقدم ملموس على مستوى حصر السلاح، وليس الإكتفاء بالمواقف الخطابية. وحتى الآن، وعلى الرغم من مرور مدة زمنية على إعلان موعد انعقاد المؤتمر، فإنه لا وجود لأي حركة تحضيرية أو تنظيمية يفترض البدء بها لتنظيم المؤتمر وآلياته.
وليس من المبالغة القول بأن كل هذا السياق ينتظر النتائج التي ستسفر عنها الزيارة الرسمية الأولى لقائد الجيش العماد رودولف هيكل الى واشنطن. وصباح أمس سافر وفد الضباط الذي سيستبق زيارة العماد هيكل. وقد درجت العادة في واشنطن أن تجتمع القيادة العسكرية الأميركية مع قادة الجيوش “الصديقة” والتي تتلقى مساعدات سنوية من واشنطن. وزيارة قائد الجيش تأتي في هذا السياق بعد كل ما رافق تحديد ومن ثم إلغاء الزيارة منذ حوالي الشهرين. هي أول زيارة رسمية له الى واشنطن وهو من دون شك يريد لها أن تنجح، خصوصا بعد النكسة التي حصلت. لكن لواشنطن مطالب، وأجوبتها موجودة لدى الحكومة اللبنانية. وفي وقت جرى تحديد يوم الجمعة موعدا لاجتماع مجلس الوزراء، فمن البديهي التوقع بأن البحث سيطال ملف حصر السلاح بمرحلته الثانية قبل سفر العماد هيكل نهاية الأسبوع الى واشنطن. أضف الى ذلك المواقف العالية السقف التي أطلقها الشيخ نعيم قاسم والذي لم يلق أي رد رسمي حتى الساعة.
ومنذ أكثر من أسبوعين ما يزال التواصل مجمدا بين قيادة الجيش وحزب الله. وعلى المستوى الميداني ما يزال الجيش يتجنب الذهاب للكشف على المناطق التي تستهدفها الطائرات الحربية الإسرائيلية والتي تصنفها بأنها بنى تحتية لأسلحة ومخازن حزب الله. وعلل البعض هذا الإنقطاع الى أنه ربما عدم وجود أحداث تستوجب حصول هذا التواصل، أو ربما بسبب ما يحكى عن تنظيم داخلي في حزب الله طال مهام وفيق صفا. فآخر ظهور لصفا كان في مناسبة عزاء والدة زوجة قائد الجيش منذ أكثر من أسبوعين. يومها تعمد صفا المشاركة في واجب العزاء. وخلال الأسابيع الماضية إقتصر التنسيق بين الجيش وحزب الله عبر المسؤولين المناطقيين. فمثلا بات يجري التنسيق في الضاحية الجنوبية عبر مسؤول حزب الله المحلي علي أيوب بعدما كان سابقا يمر حكما من خلال صفا. بما معناه حل التنسيق اللامركزي بدل التنسيق المركزي الذي كان قائما سابقا، وربما حتى إشعار آخر.
وبانتظار الموقف الذي ستتخذه الحكومة ليحمله معه العماد هيكل الى واشنطن ويتظلل به، عمد لبنان الى كشف المعلومات المضللة التي مررتها تل أبيب الى واشنطن حول عمل الجيش جنوب خط الليطاني. ففيما ادعت إسرائيل أن الجيش نفذ حوالي الألفي عملية دهم وتفتيش، أظهر لبنان بأن الجيش نفذ ما يفوق الثمانية آلاف مهمة. وهو ما يظهر النوايا التي تبيتها إسرائيل. في هذا الوقت أبلغت واشنطن المسؤولين اللبنانيين رسميا بأن سفيرها في بيروت ميشال عيسى أصبح هو الممثل الوحيد لها على كل الأصعدة بما فيها الميكانيزم، وأنه لا وجود لأي ممثل رسمي آخر. ففي السابق كان لبنان يعاني من إزدواجية التمثيل الأميركي والمسؤوليات المترتبة على ذلك، وهو ما كان يؤدي لتشابك في المسؤوليات والمهام والمرجعيات. وهو ما حصل مثلا أيام السفيرة دوروثي شيا والموفد الرئاسي آموس هوكشتاين، وهو ما انسحب لاحقا على مهام السفيرة ليزا جونسون. وعند انتخاب دونالد ترامب حصل تشابك بين ثلاث مرجعيات، السفيرة ومورغان أورتاغوس وتوم براك. ولكن مع ميشال عيسى صدر قرار من البيت الأبيض بحصر كل الأدوار بيده، وهو ما يحصل للمرة الأولى منذ وقت طويل وتحديدا منذ السفيرة إليزابيت ريتشارد. وهو ما سمح بحصول اجتماع تنسيقي لافت جدا بين السفيرين الأميريكيين في لبنان وإسرائيل، والذي عقد في العاصمة الأردنية. هذا التنسيق سيطال بطبيعة الحال النسخة الجديدة للميكانيزم والتي من المفترض أن تتبلور بعد رسو الأوضاع بين واشنطن وطهران، وتظهير الصورة الجديدة. وهو ما يعني أن الواقع اللبناني بانتظار التطورات الكبرى التي ستشهدها المنطقة خلال الأسابيع المقبلة.
من المفترض أن يفتتح السفير ميشال عيسى المقر الجديد والضخم للسفارة الأميركية في لبنان في منتصف 2027. ووفق المعايير التي تعتمدها وزارة الخارجية الأميركية فإن مقار السفارات في العالم تنقسم وفق ثلاث فئات: كبيرة، وسطى وصغيرة. وكان أن قررت واشنطن في العام 2006 بناء مقر لها في لبنان من الفئة الكبيرة رغم صغر مساحة لبنان، ولهذا معناه. وصحيح أن في بعض عواصم الشرق الأوسط هنالك مقار للسفارات الأميركية من الفئة الكبيرة كمثل القاهرة وعمان وبغداد، إلا أن السفارة الجاري إنجازها في لبنان تعتبر الأكبر بينها، لا بل من بين السفارات الكبرى على مستوى العالم، خصوصا مع طاقم ديبلوماسي وتشغيلي يتجاوز الألف ومئة موظف. وهو ما يعكس القرار الأميركي بالحضور والتأثير ليس فقط على المستوى اللبناني، إنما على مستوى كامل الشرق الأوسط، وهو الدور الذي تولته سفارة الولايات المتحدة في لبنان في فترة ما قبل الحرب. ففي العادة فإن حجم السفارة يعكس الكثير على مستوى النفوذ والتأثير. هكذا كانت السفارة الفرنسية ضخمة طوال العقود الماضية ومنذ نشأة لبنان، وهو ما كان يعكس نفوذها وتأثيرها. ومنذ حوالي العشر سنوات عملت طهران على استبدال مقرها وإشادة مقر كبير في مكان لا يبعد كثيرا عن الأول. وهو ما كان يؤشر الى البعد السياسي الذي أرادته. لكن الظروف إنقلبت أو تكاد، أو في طريقها الى ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى