مقالات صحفية

“احتواء السلاح لا يلبي المطلوب” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

غريب أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فهو يدخل على خط الإحتجاجات العارمة التي شهدتها شوارع إيران، ويهدد بالتدخل فورا لحماية المتظاهرين رغم عدم وجود قوة عسكرية كافية في المنطقة، قبل أن يعود بسرعة الى الوراء متذرعا بأنه نجح بمنع حصول عمليات إعدام، رغم أن المعلومات تتحدث عن آلاف القتلى الذين سقطوا في ظرف يومين، وبهدف إخماد احتجاجات الشارع والتي كادت أن تهدد النظام الديني القائم. لكنه يعود اليوم ملوحا بعملية عسكرية، لكن هذه المرة في ظل تحشيد ضخم لقواته العسكرية.
وفي نظرة سريعة على التعزيزات العسكرية الأميركية، يبدو بوضوح بأن القوة النارية للجيش الأميركي أضحت كبيرة، لا بل ضخمة، وهي تحاكي ضربات قوية، وتضع في حسابها إحتمال أن تطول العملية بعض الوقت. والمعروف أن عملية التحشيد العسكري تتطلب موازنات مالية ضخمة، وهو ما يعني أن ترامب يريد تحقيق النتيجة المطلوبة، أكان بالتفاوض أو بالقوة العسكرية. مع العلم أن هدير السفن الحربية التي تتمركز في المنطقة لا تحجب خط التواصل المفتوح بين طهران والبيت الأبيض. ترامب كان قد تحدث عن “أسطول ضخم يتجه الى الشرق الأوسط، وقد نضطر لاستخدامه”. صحيفة الواشنطن بوست كانت قد نشرت بعض التفاصيل حول القوة البحرية الأميركية التي جرى توجيهها ناحية الشرق الأوسط: حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” ومجموعتها المرافقة والتي تضم حوالي 5700 جندي، وثلاث مدمرات، إضافة الى الغواصة النووية من فئة “أوهايو” والتي تحمل إسم “يو إس إس جورجيا” والمجهزة ب150 صاروخ توماهوك عابر للقارات. وستنضم هذه القوة الى ثلاث سفن ساحلية أبحرت من ميناء البحرين، إضافة الى مدمرتين أخريين تابعتين للبحرية الأميركية في بحر الخليج. بريطانيا من جهتها نشرت طائراتها المقاتلة من طراز تايغون في قطر وقبرص، وهي بررت خطوتها بأنها لأسباب دفاعية. ووفق التقارير الإعلامية فإن عشرات طائرات الشحن العسكرية الأميركية تتجه الى المنطقة، في حركة تشبه الى حد بعيد ما كان حصل العام الماضي وتحديدا قبل الحملة الجوية على إيران في حزيران الماضي، عندما نقلت القيادة العسكرية الأميركية أنظمة للدفاع الجويمثل صواريخ الباتريوت وثاد تحسبا لرد إيراني بعد قصف مواقع نووية إيرانية. وكما تكشف الأوساط الإعلامية الأميركية عن سلاح جديد جرى استخدامه في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فأن تسريبات تتحدث عن سلاح الليزر الجديد والمضاد للصواريخ والذي سيجري استخدامه للمرة الأولى في إسرائيل.
وهذه القوة تؤمن خيارات هجومية متنوعة، في وقت تعتبر فيه طهران أن التهديدات العسكرية الأميركية جدية، ولكن وفي الوقت نفسه ليس واضحا ما هو الهدف النهائي لأي عملية عسكرية أميركية. واعتبر قائد الحرس الثوري بأن بلاده تضع أصبعها على الزناد، وهي على أهبة الإستعداد أكثر من أي وقت مضى لتنفيذ أوامر وتوجيهات القائد الأعلى خامنئي، ومحذرا من سوء تقدير واشنطن للوضع.
وهذا المشهد يعزز الإنطباع بأن المواجهة قادمة لا محال. لكن مع ترامب لا يمكن التكهن مسبقا بشيء. فهو صاحب سلوك يصعب معه تقدير الحركة الثانية. قهو قادر على الإندفاع في خطوة عسكرية صاعقة، يتوخى منها الإبهار وخطف الأنفاس، تماما كما حصل في كاراكاس. وفي الوقت نفسه هو قادر على تنفيذ انعطافة حادة والذهاب لتسوية سياسية تمنحه مكاسب أساسية، وهو ما حصل مرات عدة وآخرها كان في غرينلاند. لكن ترامب صاحب السلوك التجاري، لن يخرج خالي الوفاض، خصوصا مع هذه التكاليف الضخمة التي تتكبدها واشنطن لتأمين حشدها العسكري. هو يريد أوراقا ثمينة يضعها في جيبه قبل أن يذهب الى انتخابات نصفية صعبة، في ظل تراجع في شعبيته وهو ما ينعكس على حظوظ حزبه.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقول بأن المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تعمل على افتراض أن ساعة الصفر تقترب رغم حالة عدم اليقين السائدة بشأن التوقيت الدقيق للضربة. وأضافت بأن التنسيق بين تل أبيب وواشنطن وصل الى مستويات غير مسبوقة، وأنه تم الإنتهاء من تأمين الممرات الجوية وتوحيد أنظمة الرصد بالرادار. ووفق الإعلام الإسرائيلي فإنه جرى وللمرة الأولى دمج منظومة “ثاد” الأميركية المتطورة للدفاع الصاروخي داخل إسرائيل وبإدارة طواقم أميركية لتعمل جنبا الى جنب مع منظومة “حيتس” الإسرائيلية، مما يشكل مظلة دفاعية متعددة الطبقات ضد الصواريخ البالستية البعيدة المدى. وما لفت في هذا الإطار الزيارة التي قام بها قائد “السينتكوم” براد كوبر الى إسرائيل حيث اجتمع برئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إضافة الى قائد سلاح الجو تومر بار. وهذه الإجتماعات والتي تحمل الطابع العملاني توحي بأن العمل جار لوضع اللمسات الأخيرة على الخطط العسكرية. كذلك جرى إيكال قائد الأسطول الخامس الأميركي براد كوبر قيادة الحملة البحرية ضد إيران والحوثيين بالتنسيق مع إسرائيل. وخلال شهادته أمام مجلس الشيوخ إعتبر كوبر بأن مئات الهجمات ضد الجنود الأميركيين في المنطقة تحمل بصمات إيرانية واضحة، إضافة الى “وكلائها من حزب الله والميليشيات الأخرى”. واعتبر أن إيران هي المصدر الأول لعدم الإستقرار الإقليمي، والراعي الرئيسي للإرهاب في العالم.
وفي إستراتيجية الدفاع الأميركي التي أصدرها البنتاغون تحت عنوان: السلام من خلال القوة، جرى الإشارة الى الشرق الأوسط وإيران. وهذه الوثيقة التي تصدر مرة كل أربع سنوات والتي تأخر صدورها بضعة أشهر، وتحديدا منذ أيلول الماضي، مؤلفة من 25 صفحة، وهي تطرقت الى أربعة عناوين كبرى جاءت وفق الترتيب التالي: الدفاع عن الوطن، ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادىء من خلال القوة وليس المواجهة، زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء، وأخيرا تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية. وحول إيران، أشارت الوثيقة بأن إيران ووكلائها يشكلون تهديدا حقيقيا للبلاد، كما داعش والقاعدة. ولكنها اعتبرت أن إيران تعرضت لانتكاسة حادة خلال الأشهر الماضية، في إشارة الى حرب حزيران الماضي. لكن الوثيقة إعتبرت أن قادة إيران تركوا الباب مفتوحا أمام احتمال المحاولة مرة أخرى للحصول على السلاح النووي. وأضافت بأنه على الرغم من أن وكلاء إيران قد تعرضوا لضربات قوية إلا أنهم يسعون لإعادة تشكيل قوتهم، وستقوم وزارة الحرب بتمكين الحلفاء والشركاء الإقليميين من تحمل المسؤولية الأساسية، بما في ذلك الردع والدفاع ضد إيران. وهنا تحديدا يجري تصنيف لبنان، وهو ما يفسر كامل النظرة الأميركية لديه. لكن قبل التطرق الى ذلك، لا بد من الإشارة سريعا الى الرأي الآخر في واشنطن حول كيفية التعاطي مع إيران.
ذلك أن الرأي الداعي لتوجيه ضربة عسكرية لإيران بهدف تحقيق تغيير جذري في قرارها السياسي يواجهه رأي آخر داخل إدارة ترامب. ويعتبر هؤلاء أن المعارضة داخل إيران تفتقر الى قيادة مركزية، وتتسم بتنوع إيديولوجي واسع، إذ تضم الليبراليين والمتدينين المختلفين مع النظام والأقليات العرقية والعلمانيين والملكيين المتحمسين على حد سواء، لكن من دون استراتيجية موحدة ومنظمة ومنضبطة، ما يؤدي الى تبديد الزخم الشعبي في الشارع، ليتحول سريعا الى انقسامات ونزاعات داخلية. ما يعني أن الرهان على تغيير سريع مسألة غير واقعية. إضافة الى أن أصحاب هذا الرأي يعتبرون أن ما يطرحه بعض الإستراتيجيين بشن ضربات عسكرية، إنما سيكون لها نتائج عكسية، ما سيمنح النظام دفعا دعائيا لصالحه، وشرعية داخلية ستسمح له بضرب المعارضة. ويعتقد هؤلاء أنه لا يمكن لواشنطن فرض حل، بل فقط ممارسة ضغوط فعالة ومؤثرة من بعيد لدعم المعارضة وتزخيم تحركها عبر إضعاف الركائز الإقتصادية والمعيشية للنظام.
وبالعودة الى لبنان، فإن التركيز الأميركي على الدور المطلوب من الجيش يصبح أكثر وضوحا مع ما ورد في وثيقة وزارة الحرب الأميركية. ومن هنا تكمن أهمية الزيارة التي سيقوم بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل الى واشنطن، بعد كل ما شاب زيارته التي كان جرى تأجيلها. وأراد قيادة السينتكوم استباق الزيارة بلقاء تحضيري مع وفد من ضباط القيادة اللبنانية. والواضح أن الجانب الأميركي يريد حصول جس نبض مسبق حيال تفاصيل دقيقة للواقع العسكري. مع الإشارة الى أن هذا الترتيب لم يكن يحصل في العادة. وقبل زيارة قائد الجيش وانعقاد جلسة مجلس الوزراء حصل الأصطدام السياسي بين قصر بعبدا وحزب الله. فأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم جدد رفضه لأي تعاون شمال الليطاني مستخدما عبارات قاسية، ومتعمدا بذلك نسف كل الجسور لأي تراجع ممكن. وهذه المواقف الحادة أدت الى بروز خلافات علنية وللمرة الأولى بين حزب الله و”الأخ الأكبر” نبيه بري. المهم أن حزب الله يرفض رفضا باتا أي مرحلة جديدة في خطة الجيش، وهو ما يمكن تفسيره بأن إيران تخلت عن سياسة المراوغة لصالح سياسة المواجهة. هكذا تتصرف في العراق مع الدفع لعودة نوري المالكي الى رئاسة الحكومة، وهو الذي كانت شهدت مرحلة وصوله في دورتي 2008 و2014 أكثر المراحل إضطرابا في العراق، تصاعدت خلالها حدة التوترات والإنقسامات الطائفية وارتباكا أمنيا واسعا، وهو ما أدى في نهاية الأمر الى اجتياح تنظيم داعش لعدد من المحافظات، وسط تعاطف شعبي إنتقاما من سياسة المالكي. وفي لبنان تنفذ إيران عبر حزب الله سياسة هجومية مختلفة بالكامل عن سلوك المرحلة الماضية.
وهنالك من كان يفضل أن يذهب قائد الجيش الى واشنطن وفي جيبه قرار واضح من مجلس الوزراء حول كيفية التعاطي مع المرحلة الثانية من الخطة، بحيث لا يحمل العماد هيكل وزر القرار السياسي. لكن حتى الآن لا يبدو أن مجلس الوزراء قادر لاتخاذ قرار البدء بالمرحلة الثانية وتحديد برنامج زمني واضح ومحدد للتنفيذ، وهنا تكمن المشكلة. واقتراح اللجوء الى نظرية “الإحتواء” لا تبدو عملية. فصيح بأن الجانب الأميركي سأل مطولا عن معانيها وترتيباتها على الأرض، إلا أن السؤال المحوري كان: لمن ستكون الإمرة الفعلية لا الشكلية على مخازن الأسلحة؟
ومن الواضح أن التعاون الميداني الذي كان قائما في السابق بين الجيش وحزب الله قد انتهى. فحتى الجيش بات يحجم عن الذهاب للكشف عن أماكن استهداف الطائرات الإسرائيلية لكي يتجنب الإحتكاك بعناصر حزب الله التي تكون قد انتشرت بسرعة ونفذت دائرة إنتشار مقفلة تماما.
في إسرائيل بدأت المرحلة الإنتخابية على ما يبدو. ومطلع الأسبوع الماضي أدلى نتنياهو بخطاب مسهب أمام الكنيست تطرق فيها الى الإنتخابات النتظرة. وفي خطابه أكد التزامه بعدم السماح لإيران بإعادة ترميم قدراتها الصاروخية والنووية، ومشيرا الى أن إسرائيل مستعدة لتوجيه ضربات قاسية لإيران إذا اقتضت الظروف ذلك. لكنه لم يشر الى حزب الله. والسؤال هنا، هل أن ذلك يعني بأن لبنان ليس على البرنامج الحربي أم أن نتنياهو يتعمد إخفاء شيء ما؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى