
لفتني، كما لفت كثيرين، ذلك التبدّل الفجّ في مزاج رؤساء بعض الأحزاب اللبنانية . فلم يعد معيار الترشح تاريخًا نضاليًا ولا كفاءة سياسية ولا التزامًا بالقضية، بل غالباً قدرة المرشّح على تمويل وضخّ المال في ماكينة انتخابية أنهكها الفساد قبل أن يُنهكها الإفلاس. هكذا، يُستبدل مناضلون قدامى بأصحاب ثروات ومتمولين ، وتُدار المعركة كأنها صفقة تجارية لا استحقاقًا وطنيًا. وهنا يتأكد المؤكَّد: “ديعان اللي راحوا”. أحزاب كانت يومًا مدارس في القيم فصارت شركات تبحث عن السيولة. قد يكون هذا الكلام مستفزًا للبعض، لكن الاستفزاز الحقيقي هو ما أوصلوا إليه البلد: أحزاب شاركت بصمتها أو بفعلها في خراب الدولة، ثم ادّعت البراءة عند الانهيار.
الأحزاب في لبنان لم تعد أدوات تنظيم ديموقراطي بل تحوّلت إلى منظومات تحمي مصالحها، وتُقايض الناس بشعارات مستهلكة. معظمها ساهم في تفكيك الدولة، في ضرب استقلال القضاء، في رعاية اقتصاد الريع والزبائنية. وحين حان وقت الحساب، اختبأت خلف جمهورٍ فقير ورفعت صوت المظلومية لتغطي مسؤوليتها .ومع ذلك، لا يزال الأمل ممكنًا . عهد الرئيس جوزاف عون يضعنا أمام فرصة نادرة إمّا استعادة الدولة أو تكريس السقوط من هنا نستبشر خيراً من اعادة الاعتبار للمؤسسات والغاء منطق المحاصصة، وفتح الباب أمام إصلاح حقيقي بدءً بقانون انتخاب عادل، مروراً باستقلال القضاء، وصولاً الى محاسبة من نهب وغطّى.
ويبقى الجيش اللبناني حجر الزاوية. هو المؤسسة التي لم تسقط رغم كل محاولات الإضعاف، وهو الضامن الأخير لوحدة الوطن. واسترجاع الجيش لدوره الوطني وحماية الحدود وفرض السيادة ليس خيارًا سياسيًا بل شرط وجود للدولة. جيش قوي يعني دولة قابلة للحياة، مما يعني نهاية زمن الميليشيات والأحزاب المتحكمة بالمصير.قد يكون ما أكتبه صادمًا، لكنني عاهدت قرّاء هذه الصفحة ألّا أكون طرفًا في أي نزاع، لأن انتمائي هو لبنان. لا حزب، لا زعيم ولا تأييد للائحة انتخابية ومبروك الفوز سلفاً لمستحقينها. لبنان أولًا وأخيرًا ودائمًا. ومن لا يحتمل هذه الحقيقة، فليُراجع ضميره قبل أن يُراجع منشورًا.


