
يندفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر فأكثر في انتهاج نهجا سياسيا صاعقا وغامضا في آن معا حيال الملفات الدولية الشائكة. هكذا فاجأ الجميع في سياسة رفع التعريفات الجمركية، وهكذا صعق العالم في فنزويلا، وهكذا تلاعب وما يزال بأعصاب أوروبا في أوكرانيا، وها هو اليوم ينفذ تراجعا في إيران لصالح التسوية السياسية بعد اندفاعة هجومية أوحت وكأنه ذاهب لإسقاط النظام القائم في إيران. هو السلوك السياسي الغامض الذي يستهويه، والذي يجعل الأطراف الأخرى عاجزة عن التنبؤ سلفا حول المسار الفعلي الذي سيسلكه.
فعلى الرغم من أنه استبدل في دقائق معدودة خيار الضربات العسكرية على إيران بقرار آخر يقضي بفتح أبواب التفاوض بعد أن كلف الرجل الأقرب اليه ستيف ويتكوف بهذه المهمة الجديدة، إلا أنه أمر بتعزيز قواته البحرية بمجموعة حاملة الطائرات “يو أس أس أبراهام لينكولن” الهجومية والتي من المفترض أن تصل الى المنطقة نهاية الأسبوع آتية من بحر الصين، إضافة الى نقل أسرابا إضافية من الطائرات الحربية المتعددة المهام، ما يوحي بأنه يريد أن يكون جاهزا للبدء بعمل عسكري في اللحظة التي يريد. ومن هنا السؤال البديهي: هل بدل ترامب خياراته فعلا تجاه إيران، أم أنه ينفذ خديعة؟ فقبل أشهر معدودة كان له سلوكا متقلبا تجاه كاراكاس. فلقد دفع الوضع العسكري نحو الذروة في ظل حشد أوحى وكأنه يتحضر لغزو قريب. ثم عاد وفتح أبواب التفاوض الجانبية، قبل أن ينفذ عملية كومندوس لاعتقال مادورو. ومن هنا لا بد من طرح السؤال: ماذا يريد ترامب فعلا من طهران؟
وبالتزامن مع التصعيد الذي نفذه ترامب تجاه السلطة القائمة في إيران، ظهر انقسام واسع في الآراء داخل أروقة القرار الأميركي حول كيفية التعاطي مع النظام الديني الذي يمسك بالسلطة. صحيح أن الغالبية الساحقة من الآراء كانت تتفق على العداء للسلوك الإيراني القائم، إلا أن السؤال الذي كان يقلق الجميع يتمحور حول فرضية أن الدفع لإسقاط النظام القائم سيؤدي الى تغييرات هائلة وغير مضمونة على مستوى كامل المنطقة، والى تحول إستراتيجي ضخم سيؤدي الى نسف الركائز التي تقوم عليها المنطقة والإنتقال الى واقع مجهول وغامض. ووفق هذه الفرضية تراجعت اللغة العسكرية لصالح السلوك التفاوضي، ولكن من دون أن يعني ذلك التخلي نهائيا عن الخيار العسكري، لا بل على العكس رفع مستوى الجهوزية العسكرية الى المستوى المطلوب.
ومع تكليفه بالملف التفاوضي، حدد ستيف ويتكوف أربعة عناوين لمساره التفاوضي: تخصيب اليورانيوم، البرنامج الصاروخي، المخزون النووي، والوكلاء أو ما يعرف بالأذرع في المنطقة. وأشار ويتكوف الى أن إيران قد تكون مستعدة للتنازل بشأن القضايا الأربع جميعها، نظرا للوضع الإقتصادي المتردي الذي تمر به. ومن البديهي الإستنتاج بأن كلام ويتكوف مبني على تواصل سابق مع إيران عبر قنوات خلفية يشجع على هذا الإعتقاد. ولفت في هذا الإطار ليس فقط كلام وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي إنما أيضل كلام خامنئي نفسه حين أدرج في كلام عالي النبرة ضد ترامب عبارة “أننا لا نريد حربا، لكننا لن نتسامح مع المجرمين في الداخل”. وبناء على ما تقدم فمن المنطقي توقع قيام المجموعة البحرية الأميركية بتشديد الخناق الإقتصادي على إيران عبر استهداف كامل عمليات التهريب للخام الإيراني، والسعي لإغلاق الرئة الإقتصادية التي تتنفس عبرها طهران من خلال النافذة العراقية، في موازاة تنشيط المفاوضات الديبلوماسية لإنتاج تسوية سريعة.
هذا التطور في موقف البيت الأبيض أزعج رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والذي كان أعلن سابقا وبشيء من الزهو بأن ترامب إتخذ قراره بتوجيه ضربات على إيران. والإنزعاج الإسرائيلي المكتوم رافقته انتقادات حادة لويتكوف وفق ما تناقلته أوساط ديبلوماسية أوروبية. وهذا الإنزعاج لم يقتصر فقط على الملف الإيراني بل أيضا ملف غزة. ذلك أن نتنياهو مستاء من إدراج تركيا ضمن اللجنة الفرعية لتشكيلة “مجلس السلام لغزة”. ووفق ما نقلته الأوساط الديبلوماسية بأن نتنياهو يتهم ويتكوف بلعب دور محوري في كبح أي ضربة عسكرية أميركية على طهران، وأن السبب يعود لوجود مصالح تجارية سابقة لويتكوف مع دول المنطقة تدفعه للتأثير على قراراته السياسية.
وأهمية ما يحصل مع إيران كونه يحصل في ظل أحداث تؤشر بحركة لترسيم حدود نفوذ القوى في المنطقة. فمن هذه الزاوية جرى تفسير الأحداث العسكرية التي أدت لطرد قسد من حلب ومنطقتها الشرقية حيث الثروة النفطية. ففي وقت إعتبر فيه البعض أن ما يجري يدخل في إطار دفع الأكراد للدخول في تسوية سياسية مع دمشق، فإن البعض الآخر قرأ فيها ترسيما أميركيا لحدود النفوذ بين تركيا وإسرائيل في شمال سوريا، والذي أشرف عليه توم براك الذي يتحسس منه نتنياهو أيضا. وقبل ذلك كانت واشنطن قد أدرجت الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان، وهو التنظيم المحسوب على تركيا، في قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة. وهو ما فسر أيضا بأنه يندرج في إطار رسم الحدود السياسية أمام أي طموح لتمدد النفوذ التركي باتجاه هذه الساحات.
لكن المشهد يتركز الآن على ترسيم الحدود السياسية لإيران، وهو ما أشار إليه ويتكوف كبند رابع من أجندة التسوية المطروحة مع طهران. لكن الكلام العالي السقف الذي تضمنته الإطلالة الأخيرة لأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم أظهر ردا واضحا، لا بل إستعدادا للمواجهة. فواشنطن تطالب طهران بعدم التدخل في شؤون دول المنطقة، وفي المقابل ورغم قول طهران بأنها لا تتدخل في شؤون أي دولة، فإن الإشارات المنبعثة من لبنان تؤشر الى أن إيران لا تريد أبدا الخروج من لبنان أيا كان الثمن، وأنها ملتزمة بفك ارتباطها العسكري مع إسرائيل، وهو ما كان أعلنه قاسم سابقا. لكن إيران متمسكة ببقاء نفوذها عند الساحل الشرقي للمتوسط، وحجز مكانا لها في معادلة شرق المتوسط الجاري رسمها. والزيارة الأخيرة لعرقجي الى بيروت تحمل في مضمونها هذه الرسالة، رغم المفردات المرنة التي استخدمها في مواقفه الإعلامية. ولكن كلام قاسم العالي النبرة جاء ليعزز الإنطباع بأن فك الإشتباك مع إسرائيل عبر التسليم بالخروج من منطقة جنوب الليطاني لن يعني التسليم بخروج النفوذ الإيراني من لبنان. لذلك جرى تفسير خطاب قاسم وكأنه غلب عليه التحدي والرفض لكامل تسليم السلاح مع التهديد بالمواجهة: “لن يبقى حجر على حجر”، أي وفق مبدأ: علي وعلى أعدائي يارب. ومعتبرا أن هنالك مرحلة واحدة لخطة السلاح لا أجزاء لها، واستطرادا لا مرحلة ثانية. وفي معرض ذهابه في رفع سقف التهديد الى الحد الأقصى، استخدم قاسم تعابير غير مألوفة كمثل “طويلة على رقبتكم”، وهذا الكلام موجه ضمنا الى السلطة اللبنانية التي تصرفت وكأنها لم تسمع هذا الكلام. أي أنها عمدت الى دفن رأسها في التراب.
في الواقع فإن واشنطن قد لا تعمد الى “شراء” خروج التأثير الإيراني من لبنان وفق الأسلوب الذي يأمله بعض اللبنانيين. ومن هنا حضها للسلطات اللبنانية للقيام بالخطوات المطلوبة منها لحصر السلاح بيدها، وأن واشنطن حاضرة لتأمين المظلة الدولية المطلوبة لإنجاح هذا العمل. ومن هذه الزاوية هنالك من يتوجس بأن “يقدم” ترامب تعويضا لنتنياهو عن صفعتي غزة وإيران بأن يدعه يطلق يده العسكرية في لبنان. ذلك أن السلطة اللبنانية لا تبدي نوايا جدية للإنتقال جديا الى المرحلة الثانية من الخطة عبر وضع برنامج زمني واضح ومحدد. ومن هنا إنتظار ما ستؤول إليه قرارات مجلس الوزراء بعد رفع قيادة الجيش لتقريرها في شباط المقبل.
وفي معرض متابعتها للوضع في لبنان، رصدت أوساط ديبلوماسية معنية الملاحظتين التاليتين:
الأولى: توقف التعاون الذي كان قائما بين الجيش اللبناني وحزب الله في جنوب الليطاني حول المواقع والمخازن العسكرية. وسجلت في هذا الإطار سلوكا مختلفا لحزب الله خصوصا بعد حصول ضربات جوية إسرائيلية. فبعد حصول الغارات الإسرائيلية على مواقع لحزب الله لاسيما في المناطق التي تشملها المرحلة الثانية، تعمد عناصر الحزب على تطويق المكان ومنع أي كان من الإقتراب بمن فيهم عناصر الجيش اللبناني، قبل أن تؤدي الإتصالات الى السماح بذلك، ولكن بعد أن يكون قد اقضى وقت طويل على حصول الغارة.
والثانية: ما حصل في بلدة كفرحتى في شرق صيدا، حيث أدت الغارة الإسرائيلية الى انكشاف مخزن للذخيرة. وحصل إثر ذلك مشادة واسعة وتضارب بين من اعترض بشدة على وضع مخازن للذخيرة والسلاح داخل الأماكن السكنية وبين رافض لذلك.
وتنفي الأوساط الديبلوماسية وجود أي مستجدات حول زيارة قائد الجيش الى واشنطن، ولكن من دون أن يعني ذلك موقفا سلبيا موجه الى الجيش اللبناني، بقدر ما هو موجه الى السلطة السياسية صاحبة القرار. بدليل أن قنوات التعاون بين الأميركيين والجيش اللبناني تعمل بنشاط لافت، كما أن التواصل عبر السفير الأميركي قائم بقوة. لكن السفير الأميركي كان قد كرر أكثر من مرة بأنه يأمل حصول أفعالا ملموسة لا مواقف خطابية فقط. وهو ما يعني تاليا أن النتائج المرجوة من مؤتمر دعم الجيش ما تزال غير مضمونة، بانتظار القرارات التي ستصدر عن الحكومة حول البرنامج الزمني لتنفيذ المرحلة الثانية. مع الإشارة هنا الى أن إدارة ترامب تستعجل الوقت، وكذلك نتنياهو المحاصر إقليميا كما على المستوى الداخلي إنتخابيا.
في الولايات المتحدة الأمريكية ترتفع حماوة الإنتخابات النصفية وحيث بات يظهر بوضوح حتى الآن وجود فرص مرتفعة لصالح الحزب الديمقراطي. وإذا فاز الديمقراطيون بأغلبية الكونغرس فمن المرجح البدء بسياسة المناكفة لإدارة ترامب والتضييق عليها. وهو ما سيؤثر بطبيعة الحال على الهامش المتعلق بحرية حركتها في مجالات عدة، ولاسيما الخارجية منها. ولا حاجة للتذكير بالعلاقة “الخاصة” التي تربط بعض قادة الحزب الديمقراطي بمسؤولين إيرانيين. واستطرادا فإن إدارة ترامب تدرك جيدا بأن الأشهر المقبلة هي ثمينة جدا لتطبيق أجندتها الخارجية خصوصا في الشرق الأوسط. وهو ما يعرفه جيدا نتنياهو أيضا. وهو ما يستوجب وضع حسابات لبنانية دقيقة وحذرة.


