
يتابع لبنان بكثير من الإهتمام والتفصيل التطورات المتسارعة في إيران، لقناعته بأنه سيكون أحد أبرز الساحات التي ستنعكس عليها نتائج ما ستؤول إليه الأزمة القائمة. فعلى الرغم من الإعلان عن الدعوة لمؤتمر دعم الجيش في الخامس من شهر آذار في العاصمة الفرنسية باريس وهو ما يوحي بوجود إيجابيات، إلا أن الحقيقة تشير الى أن الفترة الفاصلة تبدو أقرب الى المهلة للبدء بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الجيش وهو ما يرفضه حزب الله بشدة. ومن هنا “رهان” لبنان على تسوية أميركية مع إيران تساعد على حل في لبنان.
توحي تطورات الأحداث في إيران ودول الخليج العربي بأن الضربة الأميركية على أهداف منتقاة في إيران، باتت على بعد أيام لا بل ساعات. وما عزز هذا الإستنتاج قيام الجيش الأميركي بسحب قسما كبيرا من قواته من إحدى أكبر قواعده العسكرية في المنطقة أي قاعدة العديد إثر تهديدات طهران بالرد على أي إعتداء عسكري عليها، إضافة الى تدابير مماثلة في قواعد أميركية أخرى في الخليج. مع الإشارة بأنه كان سبق لقاعدة العديد في قطر أن تلقت ضربات صاروخية إيرانية خلال الحرب الجوية على إيران في حزيران الماضي. وما لفت أن الأوامر الأميركية تضمنت إتمام عملية الإجلاء ليل الأربعاء_الخميس. في هذا الوقت تشهد إيران أجواء أمنية وحالة طوارىء واستعدادات دفاعية تحسبا لهجوم وشيك. وفي الوقت نفسه انتشرت معلومات عدة في الإعلام الإسرائيلي حول إتخاذ واشنطن القرار بالضربة وبأنها لم تعد بعيدة. لكن السؤال هنا، ما هي حقيقة وجدية القرار الأميركي، وما هي حدود الضربة التي تود توجيهها، وهل من الممكن أن تنزلق باتجاهات عسكرية مفتوحة؟
نظرة سريعة على القوة العسكرية الأميركية في المنطقة يمكن أن تعطي إجابة أكثر وضوحا للواقع الغامض. فوفق صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية فأنه لا يوجد حاليا سوى ست سفن حربية أميركية في الشرق الأوسط. ثلاث سفن قتال ساحلية وثلاث مدمرات، في مقابل 12 سفينة حربية ما تزال تتمركز في بحر الكاريبي بالقرب من فنزويلا. وكذلك لا تتواجد أي حاملة طائرات هجومية قريبة من الشرق الأوسط، بعد انتقال حاملة الطائرات “جيرالد فورد” الى بحر الكاريبي في تشرين الأول الماضي. وهذا الإنتشار في الشرق الأوسط لا يوحي بحركة عسكرية واسعة تتحضر لعمل كبير، ولو أنه يبقى قادرا على توجيه ضربات بصواريخ “توماهوك” من المدمرات المتمركزة في المنطقة، ومن خلال القاذفات والطائرات المقاتلة المزودة بصواريخ بعيدة المدى. ولو أن التجارب الماضية أظهرت ضرورة وجود حاملة طائرات تتولى “تنسيق” ضربات متكاملة بالسرعة المطلوبة، وهو ما يتطلب وجود طائرات حماية وتشويش إلكتروني لضمان دقة ونجاح المهمة، خصوصا وسط اعتراض دول الخليج على أي حركة أميركية ضد إيران من خلال أو عبر أراضيها. لكن للجيش الأميركي قواعد في أسرائيل ودول مجاورة، إضافة ألى إمكانية التعاون مع جيوش صديقة.
ووفق الأجواء المسربة من أروقة صناعة القرار في واشنطن، فثمة إنقسام في الرأي بين فريقين: الأول يدعو الى قبول ما قدمته طهران حتى الآن كمادة تفاوضية وعدم الإندفاع باتجاه مغامرة غير مضمونة النتائج عنوانها إسقاط النظام، وبين فريق ثان يعتبر أن التجارب المتتالية في السابق مع خامنئي أدت في كل مرة الى استهلاك الوقت قبل الإستدارة والعودة الى سياسة عدائية ومتشددة لاحقا. وبالتالي فإنه من الغباء معاودة اللعبة نفسها، والأجدر الذهاب بسياسة ضاغطة على كل المستويات بما فيها العسكرية لإنتاج واقع جديد في إيران ولو عبر شخصيات معتدلة من داخل النظام الديني القائم حاليا. ووفق هذا الفريق فإنه ليس من الضروري التورط في حرب عسكرية واسعة، بل القيام بهجمات إلكترونية وتكنولوجية متطورة على أهداف حيوية تشكل شريانا مهما للدولة، إضافة الى هجمات جوية على مراكز أمنية أساسية يستخدمها النظام كهراوة لتشتيت المحتجين. ويقر أصحاب هذا التوجه أن هذه الضربات قد لا تؤدي الى سقوط سريع للنظام، لكنها ستؤدي لإضعاف قبضته الأمنية شيئا فشيئا وبالتالي إما إخضاعه ودفعه للإنصياع لصفقة تريدها واشنطن أو فتح الأبواب أمام واقع جديد. ويطمح أنصار هذا التوجه لتحقيق إنجاز جيوسياسي فريد من نوعه في غضون أسابيع معدودة، من خلال تغيير السلطة السياسية في عاصمتين مهمتين، كاراكاس وطهران. لكن الطموح شيء والواقع شيء آخر.
في الواقع فإن أوساطا مراقبة في واشنطن بأن هذا النظام الديني الذي تحل الذكرى السابعة والأربعين لإمساكه بالسلطة بعد حوالي الشهر، تطلب إسقاطه لحكم الشاه حوالي السنة من التظاهرات والإحتجاجات في الشارع. كما أن النظام الديني القائم ما يزال يمسك بالقرارين الأمني والعسكري، إضافة الى نسبة متراصة من الموالين. وأثبتت التجارب المتعددة في الشرق الأوسط بأنه يمكن لأقلية منظمة أن تحكم وتسيطر على أغلبية معارضة وساخطة، ويشكل حكم آل الأسد والعلويين في سوريا مثالا واضحا على ذلك. وصحيح أن الحرس الثوري والذي يشكل الذراع القوية للنظام الديني ليس متجانسا إيديولوجيا بشكل كامل ولا يخلو من الإحتكاكات الداخلية، إلا أنه ما يزال مواليا بالمطلق للمرشد خامنئي.فالجسمين العسكري والأمني ما يزالان متماسكين ولا مؤشرات على وجود حالات انشقاق أو تمرد على تنفيذ الأوامر.
وفيما لم تسجل أي مؤشرات على انضمام قطاعات إقتصادية محورية وحيوية الى التظاهرات، مثل عمال صناعة النفط، فإن أحد أكبر نقاط ضعف المحتجين هو عدم وجود قيادة واضحة. فرضا بهلوي لا يشكل بديلا جديا، ومريم رجوي هي بديل دموي يؤدي للفوضى والتفتيت وليس لنظام جديد مستقر. فيوم الإطاحة بالشاه كان هنالك قائد هو الخميني، وكان هنالك جسم تنظيمي عاموده الفقري مؤلف من رجال الدين. ورغم ذلك يرى البعض أن لعدم وجود قيادة إيجابية كونه يصعب على السلطات الأمنية قمع التحرك من خلال قطع رأس القيادة. الباحث الإسرائيلي راز تسيمت وهو رئيس وحدة دراسات إيران في مركز الأمن القومي في جامعة تل أبيب كتب بأن موجة الإحتجاجات الراهنة تطرح التحدي الأبرز لاستقرار النظام الإيراني منذ العام 1979. لكنه يضيف بأن ذلك لا يعني بالضرورة أن التغيير السياسي في إيران بات وشيكا أو فوريا.
ووفق كل ما سبق، فإن التحرك الذي يعتزم البيت الأبيض تنفيذه لا يؤشر الى وضوح الصورة حول خطة اليوم التالي. أغلب الظن أن تعمد إدارة ترامب الى توجيه هجمات لا تؤدي الى التورط الكامل، وتدفع الى شحن المتظاهرين بالمنشطات المعنوية والعملية، والسعي لتوفير غطاء حماية لهم من خلال دعم غير ملموس، كمثل إعادة تأمين الإنترنت عبر الأقمار الصناعية والدعم الإعلامي الواسع إضافة الى الديبلوماسي، وهو ما سيؤدي الى إنهاك السلطة القائمة أكثر وجعلها أكثر مرونة أمام الحلول المعروضة. وجاء كلام ترامب كترجمة لذلك عندما وعد المتظاهرين بأن “المساعدة في الطريق”، وحضهم على مواصلة تحركهم واقتحام المؤسسات الرسمية، وتوثيق أسماء المسؤولين عن القمع، في خطوة هدفها ردع العناصر الأمنية عن التمادي في البطش.
ووفق ما تقدم، تؤشر التقديرات الى أن أزمة إيران قد تطول بعض الشيء قبل أن تستقر على نتيجة واضحة، إلا إذا حصل ما هو في غير الحسبان والمفاجإت قد تحصل كل لحظة في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن لبنان الذي قد يكون يعول على نهاية سريعة، يجد نفسه في مأزق داخلي. صحيح أن الدول الخمس حددت يوم الخامس من آذار موعدا لانعقاد مؤتمر دعم الجيش، لكن ما خلف السطور يبعث على الإرتياب. وتروي بعض الأوساط أنه خلال إنعقاد إجتماع باريس الثلاثي بين الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية لمناقشة الوضع اللبناني، إندفعت فرنسا لتحديد موعد انعقاد مؤتمر دعم الجيش مطلع شباط، لكن الموفد السعودي إعترض على ذلك وتركه حتى نهاية شباط ومن دون تحديد اليوم بانتظار أن تكون قد تحققت خطوات ملموسة حول سلاح حزب الله وبدء تطبيق المرحلة الثانية. وأيدت الموفدة الأميركية الموقف السعودي بالكامل. واليوم أعلن لودريان تحديد يوم الخامس من آذار موعدا لعقد المؤتمر وبموافقة الجميع. لكن قمة ملاحظتين أساسيتين: الأولى، أن تأخير انعقاد المؤتمر حتى شهر آذار إنما يشكل مهلة اختبار وانتظار حول ما ستؤول إليه المرحلة الثانية من خطة الجيس والبدء بتطبيقها، وهو ما لا يبدو متوفرا حتى الآن بسبب الرفض القاطع لحزب الله، وهو ما تقصد تكراره بالأمس مسؤول الحزب محمود قماطي والذي حذر من صدام داخلي وحرب أهلية.
والملاحظة الثانية، تحديد مكان انعقاد المؤتمر في باريس بدلا من الرياض، وهو مؤشر سلبي على انخراط السعودية جديا والتزامها بنتائج المؤتمر طالما أن النتائج التي تطلبها لم تظهر بعد. وخلال الإجتماع مع قائد الجيش في اليرزة عمل الجانبين الفرنسي والسعودي على الإستيضاح حول المرحلتين الثانية والثالثة من الخطة بكامل التفاصيل، وحول حاجيات الجيش الفعلية.
إذا فالمساحة الزمنية الفاصلة عن آذار هدفها اختبار جدية التحرك لتطبيق المرحلة الثانية. وخلال لقاء الخماسية مع رئيس الحكومة تحدث السفير الأميركي مثنيا على حديث رئيس الجمهورية التلفزيوني في الذكرى الأولى لإنتخابه، لكنه عقب قائلا: نريد أفعالا ملموسة على أرض الواقع. وهذه النقطة بالذات هي التي تقلق لبنان الرسمي الذي يقول بأنه لا يستطيع البدء بتطبيق المرحلة الثانية بشكل حازم من دون أن يسبق هذه الخطوة تفاهمات سياسية، أي تأمين على الأقل عدم إعتراض حزب الله. ومن هنا توقيت كلام قماطي بالأمس. وفي الأوساط الديبلوماسية كلام أكثر تشددا، كمثل أن على السلطة إعطاء الأوامر للجيش للذهاب لتنفيذ خطته، وأن التذرع بالخشية من انقسام الجيش هو في غير مكانه. ذلك أن التقديرات الغربية أن الجيش متماسك وهو تجاوز هذه المخاطر منذ زمن بعيد، وأنه في أسوأ الأحوال قد تحصل عمليات فرار معدودة وليس أبدا إنقسام أو إنشقاق وفق ما حصل سابقا أيام الحرب.
وتنظر هذه الأوساط الى أن القرار اللبناني ينتظر موافقة إيرانية لن تحصل أبدا. ذلك أن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني حملت في عناوينها أن طهران لا تريد الخروج من الساحة اللبناني أبدا. وبالتالي على لبنان مقاربة هذا الموضوع بواقعية وجرأة.
وتروي هذه المصادر بأن ثمة إشارات عدة توضح حقيقة الموقف الإيراني، ولا يقتصر ذلك على حزب الله فقط. فالتنظيمات الفلسطينية المتحالفة مع إيران مثل حماس والجهاد وغيرها، ترفض تسليم سلاحها الثقيل في المخيمات الفلسطينية في لبنان رغم الخطوات التي قامت بها السلطة الفلسطينية وحركة فتح، ورغم ما حصل في غزة. وعندما استنفدت حركة حماس في لبنان أعذارها خلال نقاشها مع السلطة حول سلاحها، كان جوابها: “إذهبوا وراجعوا حزب الله”. وعدا أن هذا الجواب يعكس المرجعية الفعلية لسلاح حماس، فإن الواقعية تقضي الأقرار بذلك. فحزب الله كان يتولى في السابق تزويد هذه التنظيمات بالسلاح والذخائر، وحيث أن شاحنة الكحالة الشهيرة والتي أدت الى مواجهة دموية، كانت وجهتها مخازن حركة حماس في مخيم عين الحلوة.
في أروقة الأمم المتحدة كلام كثير حول أزمة إيران وانعكاسها على المنطقة حيث تتواجد قوات للأمم المتحدة لاسيما في سوريا ولبنان. وظهرت خشية لدى بعض كبار المسؤولين الأمميين من أن تعمد واشنطن، بهدف إبعاد إسرائيل عن أي خربطة على “العملية الدقيقة” التي تجريها في إيران، على رفع سقف تحركها العسكري في لبنان وتوسيع هامش اعتداءاتها. الشواهد التاريخية علمتنا ألا نهمل أي احتمال.


