
الإنعكاس الفوري لعملية أختطاف الرئيس الكولومبي نيكولاس مادورو من قبل القوات الأميركية على الشرق الأوسط أظهر مواقف أميركية أكثر حدية تجاه إيران وسط استمرار الإحتجاجات الشعبية، وكذلك شروع إسرائيل في مرحلة تصعيد جديدة تجاه حزب الله وسط تهديدات إعلامية بقرب شن عملية عسكرية واسعة تطال لبنان والبرنامج الصاروخي الإيراني.
ووفق قراءة متأنية لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب والأجواء التي سادت الإعلام الإسرائيلي، يمكن الإستنتاج أن ثمة تفاهمات لم يعلن عنها جرى التوصل إليها بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حول المسار الواجب سلوكه تجاه إيران وحزب الله. وغداة عودته من الولايات المتحدة الأمريكية تحدث نتنياهو من على منبر الكنيست مطلع الأسبوع وموجها تهديدات واضحة مفادها أن إسرائيل لن تقبل بإعادة ترميم القدرات الصاروخية الإيرانية، وكذلك بأي مخاطر عبر الجبهة الشمالية (والمقصود لبنان). ومن يتابع الإعلام الإسرائيلي يخرج بانطباع غالب بأن نتائج إجتماع مارالاغو كانت مرضية. وهذه الأجواء الإعلامية مصدرها رئاسة الحكومة الإسرائيلية من دون أدنى شك. ووفق الإعلام الإسرائيلي المحسوب على اليمين الإسرائيلي فإن الرئيس الأميركي موافق من حيث المبدأ على عملية إسرائيلية جوية تستهدف القدرات الصاروخية الأيرانية في حال تطلب الأمر ذلك. كذلك فإن صحيفة “يديعوت أحرونوت” ذكرت في عددها يوم أمس الأربعاء بوجود تحضيرات أمنية وعسكرية إسرائيلية، خصوصا تجاه إيران وحزب الله. وأن الخطة الهجومية على حزب الله باتت جاهزة. وختمت الصحيفة بالقول: السؤال المركزي ليس إذا كانت إسرائيل ستشن حربا جديدة أم لا، إنما متى ستشنها ووفق أي توقيت؟
صحيح أن لدى إدارة ترامب وحكومة نتنياهو الكثير من الأسباب السياسية والأمنية التي تدفعهما للذهاب باتجاه عمليات عسكرية مدروسة بدقة ولتحقيق أهداف محددة. لكن ثمة ما هو أبعد ويتعلق بأسباب داخلية إنتخابية تلعب لمصلحة إبراز القبضة العسكرية. وعلى سبيل المثال فإن ترامب الذي كان يعاني من تراجع شعبيته والتي كانت لامست 38 نقطة في بعض الإستطلاعات عاد وسجل تقدما في شعبيته وصلت الى 42 نقطة إثر عملية اعتقال مادورو.
ويوم الثلاثاء الماضي وضمن خلوة ضمت نواب الحزب الجمهوري في الكونغرس الأميركي تحدث ترامب وبأسهاب لمدة ساعة ونصف الساعة في كلمة غلب عليها شد عصب حزبه والقاعدة الجمهورية إستعدادا للإنتخابات النصفية والتي لم يعد يفصلنا عنها أكثر من تسعة أشهر. وخلال كلمته أعرب ترامب عن خشيته من فوز الديمقراطيين، ما قد يؤدي الى “تصويتهم على عزلي” كما قال ترامب. هذا في وقت عمد فيه أنصار الحزب الديمقراطي على تنظيم تظاهرات منددة بعملية اعتقال مادورو، ومع الإشارة بأن الأميركيين من أصول لاتينية يميلون تاريخيا للحزب الديمقراطي. ووفق هذا المناخ الإنتخابي السائد هنالك مناخ لدى الحلقة المحيطة بالرئيس الأميركي بأن إنجاز تسوية نهائية مع إيران قد حان وقتها، وأن ذلك يجب تحقيقه إما بالديبلوماسية أو بالضغوط القصوى أو بالقبضة العسكرية.
وفي إسرائيل لا يبدو المشهد الإنتخابي أقل حدة، لا بل على العكس. ففي آخر الإستطلاعات يبدو الإئتلاف الحكومي الحالي متأخرا مع 51 مقعدا في مقابل 59 مقعدا لإئتلاف المعارضة ومن دون احتساب المقاعد العربية. ووسط الأزمات الداخلية المتلاحقة يدرس نتنياهو جديا تقريب موعد فتح الصناديق من تشرين الأول الى شهر حزيران. وهذا ما يعني أنه يخطط لحدث يمنحه بريقا ويعمد لاستثماره إنتخابيا.
وجاء التفاهم الأولي بين دمشق وتل أبيب تحت الرعاية الأميركية ليضاعف من منسوب الخشية من إمكانية حصول عمل ما تجاه إيران ولبنان. فاتفاق التعاون الأمني بين سوريا وإسرائيل وحتى لو كان تحت الإشراف الأميركي فهو من دون شك سيطال حزب الله وإيران في بعض جوانبه. كما أن إسرائيل التي رفضت الإنسحاب من أي من المواقع الثمانية التي أقامتها داخل الأراضي السورية، تعمد في المقابل على تعزيز وتحصين وتدشيم موقعها الإستراتيجي على قمة جبل الشيخ، وهو الذي يشرف على مناطق حساسة ومهمة في سوريا وفي لبنان إن جنوبا أو بقاعا.
وفي وقت يقرأ كثيرون بأن الإتفاقات الحاصلة مع سوريا ستكون مشابهة لما سيعرض على لبنان، فإنه من الواضح رفض إسرائيل الأنسحاب من أي موقع في الجنوب قبل “إقرار أتفاقية سلام شاملة” كما تتمسك إسرائيل. ولم يفهم المقصود بكلمة “شاملة”. وهذا ما سيضع لبنان أمام واقع صعب ودقيق مع انتقال لبنان الى المرحلة الثانية من خطة الجيش، في وقت تبحث فيه إسرائيل عن تجميع الذرائع بين يديها لتحقيق مبتغاها.


