مقالات صحفية

“ما بين مادورو وخامنئي وحزب الله” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

هزت عملية أعتقال قوة “الدلتا” التابعة للجيش الأميركي للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أرجاء العالم. ومرد ذلك ليس فقط للعملية المذهلة والتي جرى تنفيذها بدقة متناهية، ولا أيضا بسبب تجاوز الأعراف والقوانين الدولية، بل خصوصا لدلالاتها الكبرى والنتائج التي رست عليها، والرسائل المتعددة التي حملتها. فما حصل لا ينحصر فقط داخل إطار أميركا الجنوبية، بل هو يطال إعادة ترتيب النظام العالمي الجديد، وموازين القوى العريضة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
لم يخف الرئيس الأميركي دونالد ترامب موضوع النفط كأحد الأهداف الأساسية للعملية التي حصلت. والمسألة هنا تتعدى كونها تشكل مصدرا للثروة الإقتصادية لتدخل الى واقع الصراع البارد على الرقعة العالمية الدائر بين واشنطن وبكين. فالصين والتي نجحت بفرض نفسها كقوة إقتصادية كبرى، تعمل بهدوء على ترجمة قوتها الإقتصادية الى نفوذ دولي وبموازاة بناء قوة عسكرية تقارع القوة العسكرية الأميركية. ولأجل ذلك عملت القيادة الصينية على تمتين علاقات مفيدة لها ولاقتصادها على المستوى العالمي ما سيسمح لها بتكريس دورها كقطب مواز لواشنطن، مع السعي لتطويق النفوذ الأميركي. لذلك، نسجت علاقات مميزة في أميركا الجنوبية حيث تشهد علاقات هذه الدول مع الولايات المتحدة نفورا لا بل عداء تاريخيا، ما يفتح الباب أمام التمدد الصيني لتركيز قواعده في منطقة تعتبر الحديقة الخلفية لواشنطن. وعمدت في الوقت نفسه الى التعاون مع روسيا (الطامحة لفرض سطوتها على القارة الأوروبية العجوز) لملء الفراغ في أفريقيا والناتج عن تهالك وانهيار النفوذ الأوروبي ولاسيما الفرنسي. ومع التحالف الذي قام في العمق بين الصين وإيران الساعية لفرض سيطرتها على الشرق الأوسط، تصبح الطريق مفتوحة أمام بكين لمد نفوذها من الشرق الأوسط الى أفريقيا فأميركا الجنوبية. أو بشيء من التفصيل، من طهران الى وسط وغرب أفريقيا ووصولا الى أميركا الجنوبية، فيما ترسخ موسكو نفوذها بحرا عند الشاطىء السوري ومنه الى الساحلين الشمالي والشرقي لأفريقيا. وركزت الصين علاقاتها في أميركا الجنوبية مع فنزويلا وكوبا على وجه الخصوص.
وتكفي الإشارة الى أن ما بين 60% الى 90% من النفط الفنزويلي تشتريه الصين ويستفيد اقتصادها ومصانعها من أسعاره المنخفضة بسبب العقوبات الأميركية. وهو ما يعني استفادة مزدوجة ومربحة إقتصاديا وسياسيا. وفي الوقت نفسه تشتري الصين ما بين 85% الى 90% من الخام الإيراني. والنفط الفنزويلي والخام الإيراني يمثلان معا ما يقارب 35% من إجمالي واردات الصين. وفي حال نجحت واشنطن في وضع يدها على النفط الفنزويلي وربما لاحقا على الصادرات النفطية الإيرانية، فعندها سيصبح النمو الصيني مهددا، وبالتالي ستكون قدرة بكين على إطلاق عملية عسكرية ضد تايوان والتي كانت مرجحة خلال العام 2026 مسألة بالغة الصعوبة. كما ستصبح التحضيرات العسكرية الصينية في منطقتي المحيط الهندي والمحيط الهادىء صعبة للغاية. ما يعني أن “ضربة” مادورو تشكل فعليا صفعة بوجه الطموح الصيني، وتؤدي عمليا لتعطيل استراتيجية طويلة الأمد تهدف لترسيخ نفوذها على الرقعة العالمية. ومن هنا فإن فنزويلا ليست مسألة جانبية ومحدودة، بل نقطة ارتكاز في نظام عالمي جديد كان آخذا في التشكل.
ومن الزاوية نفسها من الواجب قراءة الضربات الجوية التي نفذها الجيش الأميركي في شمال نيجيريا. صحيح أن تنظيم “داعش” كما دائما وفر الذريعة لترامب للتدخل في “مهمة” حماية المسيحيين من الإستهدافات التي تطالهم، إلا أن الحقيقة بأن ترامب يريد ملء الفراغات الحاصلة في أفريقيا، واحتواء التمدد الصيني، وبالتالي قطع فرض سيطرة بلاده على الموارد الأفريقية من جهة، ومن جهة أخرى قطع طريق التواصل الصيني مع دول أميركا الجنوبية والتي يؤمنها الممر الأفريقي. ففي فنزويلا لا تشكل ذريعة “محاربة المخدرات” حافزا ضاغطا للقيام بعملية بهذا الحجم. وللتذكير فإن فضيحة “ثوار الكونترا” واعترافات الضابط الأميركي أوليفر نورث في ثمانينات القرن الماضي تضمنت تأمين التمويل من خلال عائدات تهريب المخدرات الى داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وجرى ذلك خلال ولاية الرئيس رونالد ريغان الجمهوري. وهذا ما يؤكد وجود خلفية أكبر بكثير مما أعلن حول “اعتقال” مادورو.
وبعد نجاح عملية اعتقال مادورو، وجه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسالة تحذير الى كوبا، وهو ما يتوافق مع سردية احتواء وخنق القواعد التي ترتكز إليها الصين في سياق مشروع تمددها على الخارطة العالمية. وهنا يصبح منطقيا وضع دائرة حمراء حول إيران، والتي تقع على تقاطع مصالح أميركي_إسرائيلي.
فقبل أيام معدودة، حصل الإجتماع الخامس في أقل من عام بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وكان السؤال الأبرز حول الضرورة القصوى التي فرضت حصول هذه السابقة رغم عطلة الأعياد ووجود ترامب في منتجعه الخاص “مارالاغو” في فلوريدا. ولم يكن ذلك هو مبعث الغرابة الوحيد. فزيارة نتنياهو كانت طويلة وامتدت لأيام خمس، وهو اصطحب معه وفدا موسعا شمل عسكريين. وهنالك المزيد من المؤشرات الغريبة. فالمؤتمر الصحفي الذي أعقب الإجتماع بدا وكأنه جرى التحضير له مسبقا بعناية، وأحاطته بعض الألغاز. فلقد احتكر ترامب الكلام معظم الوقت، وهو تولى الإجابة على معظم الأسئلة وبموافقة ضمنية من نتنياهو. وتعمد ترامب إبقاء إجاباته ضمن الإطار العمومي متجنبا الإنزلاق باتجاه التفصيل. أما إجابات نتنياهو المعدودة فكانت قصيرة وموجزة على غير عادته. وهو ما دفع للإعتقاد بتعمدهما إخفاء أي إجابة يمكن أن تؤدي لفتح شهية الإستنتاجات.
وفي ذلك المؤتمر الصحفي بدا أن ترامب يتمسك بالإنتقال الى المرحلة الثانية من اتفاق غزة والذي يعتبره إنجازا له، وأنه يعارض أي خطوة إسرائيلية توسعية في الضفة. كما جدد إشادته بالرئيس السوري أحمد الشرع ما يعني ضمنا معارضة العمليات العسكرية الإسرائيلية والتي تؤدي الى إضعاف سلطة دمشق. كذلك تأييده لتعاون إسرائيلي مع الرئيس التركي أردوغان.
لكن ما لفت أكثر هو منح ترامب لنتنياهو جرعات دعم إنتخابية واضحة ومبالغ بها أحيانا. أما التوافق “المقلق” فكان قائما حول إيران ولبنان، والذي تصدرته عبارة كررها ترامب أكثر من مرة: سنرى ما سيحدث. وهو ما اعتبره البعض بمثابة الضوء الأخضر لأحداث ستحصل، ولكن مع الحفاظ على سرية تفاصيلها. فإذا كانت أولوية نتنياهو ومعه اليمين الإسرائيلي القضاء على ما تبقى من نفوذ إيراني إقليمي، وتوجيه ضربة لإيران تنتج تغييرا للنظام القائم، فإن ترامب وفي إطار مشروعه الدولي الهادف لاحتواء مراكز قوة الصين على الرقعة الدولية، لا بد أنه يريد استكمال ما بدأه في فنزويلا ونيجيريا وصولا الى إيران.
فمنذ عدة أيام والإحتجاجات الشعبية تتوسع وتتمدد لتصل الى حوالي 40 مدينة كبيرة ومتوسطة. وعماد هذه التحركات هذه المرة هو قطاع التجار أو البازار، وذلك رفضا للتدهور الإقتصادي وللموازنة المتقشفة التي أقرتها الحكومة. وعلى سبيل المثال فإن سعر صرف الدولار الأميركي كان يبلغ مطلع العام المنصرم حوالي 60 ألف تومان، ومع نهاية العام وصل سعره الى 135 ألف تومان. وفي الوقت نفسه ووسط العقوبات القاسية التي تحاصر إيران فإن السلطة عاجزة عن إيجاد الحلول الناجعة، وهو ما دفع الناس للإحتجاج في الشوارع. وهي ليست المرة الأولى التي تجتاح فيها الإحتجاجات الشعبية شوارع إيران. ففي السابق انتفض الشارع على القيود الإجتماعية وفق ما عرف بثورة “مهسا أميني”. ويومها باشرت السلطات الدينية بتطبيق سياسة غض النظر عن إلزامية وضع الحجاب، وذلك بهدف امتصاص النقمة الموجودة. لكن منطلق الإحتجاجات اليوم هو إقتصادي وحيث لا وجود لحلول سحرية، إلا في حال حصول تفاهمات جانبية مع واشنطن تسمح بالتخفيف من القيود الإقتصادية الموضوعة. وقد تشكل التحديات السياسية الخارجية مخرجا لاستيعاب احتجاجات الشارع عبر وضع الأولوية الوطنية على الأولوية الإقتصادية. وربما لذلك طلب نتنياهو من وزرائه عدم الإدلاء بأي تصاريح تتعلق بالوضع في إيران إلا بعد الحصول على إذن مسبق، وكذلك فعل ترامب مع أعضاء إدارته. وهذا ما يكشف جدية الوضع في إيران. وفي الأروقة الديبلوماسية كلام كثير وسيناريوهات متعددة. فواشنطن تتمسك ببقاء النظام الديني القائم لحسابات تتعلق بأفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى والمحيط. لكن واشنطن ترفض تماما أي نفوذ إيراني عند الساحل الشرقي للمتوسط، وكذلك أي تعاون إقتصادي واسع مع الصين وروسيا. ولكن طهران والتي أدركت حاجة واشنطن لاستمرار النظام الديني القائم في إيران، عملت على الاستمرار في سياستها والقائمة على إعادة بناء نفوذها الإقليمي بعد الضربات التي تلقتها. وقد تكون حسابات طهران أن ما فعلته واشنطن وتل أبيب ضدها هو الحد الأقصى الذي يمكن أن تذهب باتجاهه. لكن ثمة همس في الأروقة الديبلوماسية بأنه في حال عدم حصول تفاهم مباشر بين طهران وواشنطن فإنه يمكن الرهان على حصول انقلاب داخل النظام القائم ما سيؤدي الى حلول وجوه تتحلى بالمرونة بدل تلك الموجودة الآن. فالإحتجاجات المتتالية تؤكد ما تتناقله الإستطلاعات بأن زهاء 80% من الإيرانيين باتوا بعيدين عن السلطة القائمة، وبالتالي فإن هذه السلطة أصبحت ركائزها مخلخلة بعض الشيء. وبالتالي يمكن الوصول الى واقع جديد يعطي الرئيس بزشكيان صلاحيات أوسع تسمح له بنسج سياسة خارجية جديدة، أو ربما إعادة بعض الوجوه المعتدلة الى دائرة القرار، مثل خاتمي أو روحاني. وبذلك يبقى النظام الديني قائما ولكن وفق سلوك سياسي مختلف. وهذه الأفكار قد تكون واقعية وقد لا تكون. فالشارع الإيراني أثبت تاريخيا بأنه عصي على التأثير بقراراته الوطنية. لكن المأزق أيضا أن هذا الشعب الذي كان يحظى دائما بمستوى علمي عال ومستوى معيشي واقتصادي رفيع أصبح في واقع مختلف.
وفي لبنان تتقاطع واشنطن وتل أبيب على وجوب إنهاء ملف سلاح حزب الله ولو احتاج ذلك لعملية عسكرية إسرائيلية واسعة يتمناها نتنياهو. وفي وقت ستراقب فيه واشنطن إنتقال لبنان الى البدء بتطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش، والتي عارضها بشدة حزب الله، فإن التركيز الأكبر سيكون على الوضع الإيراني. وبالتالي، فإن العملية العسكرية التي ينشدها نتنياهو لا بد أن تكون بعد انقشاع المشهد في شوارع إيران. وهنا تصبح عبارة ترامب “سنرى ما سيحدث” أكثر وضوحا.
ضربة فنزويلا وجهت رسالة مباشرة الى كامل العواصم التي تعمل على إرساء خارطة دولية جديدة الى جانب الصين. ولكن ثمة أولويات شكلت أوراق قوة للإقتصاد الصيني الضخم والذي يتطور بسرعة فائقة. وإذا كانت كاراكاس تشكل شريانا نفطيا حيويا للمصانع والإقتصاد الصيني، فإن الخام الإيراني لا يقل أهمية لنمو القوة الصينية. فهل ستتحرك واشنطن لترسيخ معادلة جديدة في الشرق الأوسط ولكن بأسلوب مختلف عما حصل في فنزويلا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى