
ثمة أسباب عدة أدت الى تراجع الأجواء الضاغطة والمتشنجة والتي كانت تلوح بعملية عسكرية إسرائيلية وشيكة على حزب الله. أول هذه الأسباب ترئيس مدني للوفد التفاوضي اللبناني في الميكانيزم، وثانيها إبراز الجيش اللبناني للإنجازات التي حققها في منطقة جنوب الليطاني، وثالثها إنعقاد إجتماع باريس الرباعي والثناء على ما يقوم به الجيش. ألا أن أهم هذه الأسباب يعود لانتظار الجميع لما سينتج عن إجتماع مارالاغو بين ترامب ونتنياهو في 29 الجاري.
فرئيس الحكومة الإسرائيلية والذي حطم الأرقام القياسية في عدد زياراته واجتماعاته مع الرئيس الأميركي في أقل من سنة وحيث ستبلغ الخمسة، سيصطحب معه وفد عسكري وأمني رفيع، وحيث ستدوم زيارته خمسة أيام. أضف الى ذلك ما صرح به ترامب نفسه بأن اللقاء سيحصل بناء على طلب نتنياهو. وكل هذه المعطيات تؤشر الى ملفات مهمة سيحملها معه نتنياهو، والتي جرى التمهيد لها بتسريبات حول وجود خطط عسكرية إسرائيلية تطال إيران وحزب الله بسبب البرامج العسكرية التي يجري إعادة بنائها. وفي هذا الوقت لفت إطلاق القيادة الوسطى للجيش الأميركي عملية “عين الصقر” في سوريا ضد تنظيم داعش، والتي تردد بأنها ستستمر أسابيع وربما أشهر. أي أن مدة التحرك مفتوحة، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام.
وقبل ذلك بأيام وفي خطوة نادرة، كشفت إسرائيل عن مقطع من التحقيقات الحية التي حصلت مع عماد أمهز والذي كانت قد خطفته من البترون في تشرين الثاني 2024. وفي المقطع المنشور أكد أمهز عمق التنسيق حول الخطط البحرية مع الحرس الثوري الإيراني، وأيضا حول وضع الأميركيين في دائرة الأهداف، الى جانب الإسرائيليين.
وبانتظار ما سينتج عن إجتماع مارالاغو، يتحضر لبنان للأعلان عن إنجاز المرحلة الأولى من الخطة التي وضعها الجيش. ومن المفترض أن تعلن الحكومة ذلك في أول اجتماع لها مع انطلاق العام الجديد والمتوقعة في الخامس من شهر كانون الثاني المقبل. ويترقب الجميع القرارات التي ستصدر عن الحكومة في هذا الشأن. صحيح أن رئيس الحكومة نواف سلام إستبق أو ربما مهد لهذا الإجتماع بالحديث على أن المرحلة الأولى على وشك أن الإنتهاء وأن لبنان سينتقل بعدها الى المرحلة الثانية، لكن المعروف أن القرار يتخذ على مستوى مجلس الوزراء والذي يتكون من مجموعات سياسية متنوعة ومن ضمنها حزب الله. والمقصود من هذا التذكير أن حزب الله كان وما يزال يعلن رفضه الكامل لأي مساس بسلاحه شمال نهر الليطاني. ومن هنا السؤال عن القرارات التي سيصدرها حزب الله. صحيح أن حزب الله لم يبادر أبدا الى المساعدة في الإبلاغ عن مستودعات أو أنفاق له جنوب الليطاني، إلا أنه إعتبر أن تعاونه هو في عدم إعتراضه على المداهمات الحاصلة. وعلى الرغم من أن عدد الأنفاق الذي جرى اكتشافها قارب المئة إضافة الى عشرات المستودعات، إلا أنه من البديهي الإعتقاد بإمكانية وجود شيء ما لم يجر اكتشافه كمثل ما حصل في كفرا والتي لم تكن قد تعرضت سابقا للقصف، وحيث ضبطت بداخلها أسلحة وذخائر. وهو ما يعني أن الجيش وبغض النظر عن الإعلان عن إنتهاء المرحلة الأولى، فهو سيستمر في عمليات مسح منطقة جنوب الليطاني. مع الإشارة هنا الى أن عديد الجيش في هذه المنطقة بات يناهز ال9,500 جندي.
إذن، فإن الأنظار شاخصة حول ما سيصدر عن مجلس الوزراء في أول جلسة له في السنة الجديدة. والمقصود هنا، كيف سيكون القرار القاضي بالإنتقال الى المرحلة الثانية. ولذلك لم يعمد إجتماع باريس الرباعي الى تحديد موعد الدعوة لعقد مؤتمر دعم الجيش، واكتفى بالإشارة الى شهر شباط. فحزب الله المتمسك بالفصل بين جنوب الليطاني وشماله أوحى بأنه سيعارض بقوة أي تحرك باتجاه سلاحه شمال الليطاني. واستطرادا، أي قرار سيعلنه مجلس الوزراء، خصوصا وأن العواصم الغربية ترفض الربط بينه وبين أي خطوة يجب أن تقوم بها إسرائيل، كمثل ان يستبق ذلك إنسحاب إسرائيلي من إحدى النقاط الخمس. وبالتالي، كيف سيتعاطى مجلس الوزراء مع مع بدء المرحلة الثانية، وما إذا كان سيجري إرفاق ذلك بجدول زمني تنفيذي أو سيعمد على تركها مفتوحة. ووفق أي آلية سيجري إطلاق هذا المسار. وهي أسئلة يعتبرها أطراف اللقاء الباريسي أساسية، وتختبر ما إذا كانت النوايا جدية أو “تسويفية”.
وهنالك مسألة إضافية تتمسك بها إسرائيل، ما جعلها ترسل إشارة واضحة باتجاهها، وذلك عندما ضمت الى وفدها المفاوض في الميكانيزم نائب رئيس مجلس الأمن القومي. وهي هدفت من هذه الإشارة دفع لبنان لتوسيع الجانب المدني في اللجنة، وإعادة إحياء فكرة إنشاء لجان فرعية متخصصة للملفات الأمنية والعسكرية والحدودية والسياسية والإقتصادية. ومن الواضح أن مطالب إسرائيل تبدو كبيرة جدا، وأكبر بكثير من قدرات لبنان الواقعية والفعلية. وهو ما يدفع العديد من المراقبين للإعتقاد بأن إسرائيل تعمد لتكبير الحجر بغية فتح الطريق أمام عملية عسكرية يتمنى نتنياهو ومعه اليمين الإسرائيلي القيام بها بغية استثمارها داخليا على المستوى الإنتخابي.
من هنا يبدو الإجتماع الخامس لهذا العام بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية في غاية الأهمية، وبمثابة البوصلة التي ستحدد مسار الأحداث مع انطلاق العام المقبل، خصوصا وأن نتنياهو يراهن على تجاوب ترامب معه، لاسيما بعد مرونة إسرائيلية في غزة وسوريا.


