
عرفت الكنيسة عبر التاريخ جدالات، انقسامات وصراعات بين فكر وفكر. لكن ما نعيشه اليوم لم يعد مجرّد اختلاف لاهوتي، بل أزمة ثقة . الناس لم تعد تخاف من الاختلاف بل تخاف من صمت الكنيسة حين يجب أن تتكلّم، ومن صراخها حين يجب أن تتواضع . المشكلة ليست في الإنجيل، بل في الذين جعلوا من الكهنوت سلطة أكثر منه رسالة . فحين يتحوّل دور الراعي في بعض الابرشيات إلى إدارة نفوذ، وينسى هذا الراعي أنّ أول وصية له هي أن يحمل الخروف الضال على كتفيه ، تسقط هيبة الكنيسة لا لأن المسيح تغيّر، بل لأن صورته لم تعد تُرى في وجوه بعض القادة.
المؤمن اليوم يا اصدقائي القراء لم يعد جاهلًا ولا خائفًا. يقرأ، يسمع، يرى ويقارن. يعرف تمامًا أين يكون صوت الله وأين يكون صدى المصالح . ولذلك، لم يعد يقبل أن يُستخدم اسم المسيح للتغطية على ظلم، أو لإسكات نقد، أو لحماية أشخاص وضعوا أنفسهم فوق المحاسبة. فالإيمان الذي عاش ألفي سنة لا يخاف من طرح الأسئلة، ولا من كشف الوجوه التي تلبس قداسة لا تعيشها. والمؤمن البسيط الذي يدخل الكنيسة ليشعل شمعة، يعرف بحدسه أكثر مما يعرفه بعض اللاهوتيين: يعرف أين يوجد صدق، وأين يوجد استبداد مغطّى بالربّيات والتراتيل.
الناس لا يطلبون مستحيلًا من الكنيسة: يطلبون شفافية، تواضعًا وقدرة على الاعتراف بأنّ جزءًا من رسالتها ضاع بين المكاتب، والمصالح، وحماية بعض رجال الدين من المساءلة. الإصلاح الحقيقي لن يأتي ببيانات ولا باجتماعات مغلقة، بل حين يقف أول مسؤول كنسي ويقول: “أخطأنا وسنصلح” هذا وحده كفيل بإعادة الإيمان إلى قلوب كثيرة وقفت على الباب تنتظر إشارة بسيطة. الكنيسة التي نريدها ليست كنيسة تزوّج القوة بالقداسة، بل كنيسة تشبه بداية الطريق: فقيرة مثل مذود الميلاد، صادقة مثل بطرس حين بكى، وجريئة مثل بولس حين واجه أنانية الرسل. يوم تعود الكنيسة إلى شجاعة الاعتراف والصدق، لا يعود أحد بحاجة إلى مقالاتي أو انتقاداتي… فالصلاح سيكون مرئيًا مثل نور شمعة في هيكل مظلم. فهل اقترب الحساب ؟


