
ينشغل لبنان بالتحضيرات القائمة لاستقبال رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا لاوون الرابع عشر، في أول زيارة خارجية له منذ تسلمه مهامه رسميا. ومع ما تحمله هذه الزيارة من معان تجاه بلد ما يزال يعيش في قلب العواصف التي تهز ركائز الشرق الأوسط، وهو ما أدى الى تراجع حاد في الحضور المسيحي على مستوى المنطقة، فإن السؤال الملح والذي يشكل الهاجس الأول لدى مختلف المجموعات اللبنانية يتمحور حول ما إذا كانت إسرائيل تحضر لجولة عنف جديدة، وموعد حصول ذلك. لكن اللافت وجود توجه لدى بعض أعضاء الكونغرس الأميركي لزيارة لبنان بالتزامن مع زيارة البابا لاوون، وهو في حال حصولها ستشكل رسالة مضاعفة حيال مستقبل لبنان.
خلال الأيام الماضية استمرت الآلة الإعلامية الإسرائيلية في توزيع الأخبار والمعلومات عن التحضيرات القائمة لشن ضربة عسكرية على قواعد حزب الله في لبنان. وكان واضحا أن المعلومات الحربية الجاري بثها إنما تجري في سياق منظم وليس بشكل عشوائي، ما يعني أن القيادة العسكرية الإسرائيلية هي من تتولى التحضير النفسي للشارع الإسرائيلي وتعبئته وفق خطة مدروسة. ويرى البعض أن أحد أهداف التركيز على نجاح حزب الله في اعادة بناء قدراته إنما يهدف لرفع مستوى القلق لدى سكان المستوطنات الشمالية لإسرائيل لتوظيفه في مشروع تبرير مواجهة عسكرية جديدة والتمهيد لها. والسردية الأعلامية الإسرائيلية واضحة لجهة التركيز على عدم التزام حزب الله ببنود اتفاق وقف إطلاق النار عبر العمل على إعادة بناء قدراته العسكرية وتنظيم صفوفه القتالية وحصوله على أسلحة جديدة عن طريق التهريب. لكن اللافت أن الدعاية الإسرائيلية تعمد هذه المرة على التركيز على ما تصفه بعجز السلطة اللبنانية عن الإمساك بالأرض بقواها الشرعية. وتنتقل الدعاية الإسرائيلية للحديث عن حالة القلق والخوف لدى سكان المستوطنات الشمالية من الأوضاع الحاصلة، ما يدفع العديد منهم لعدم العودة الى منازلهم. ويبرز الإعلام الإسرائيلي مطالبة وجهاء هذه المستوطنات الحكومة الإسرائيلية باتخاذ خطوات عملية وجدية لإنهاء “التهديد” الآتي من الشمال عبر منع حزب الله من إعادة بناء قواته. ووفق هذه السردية تعمل الدعاية الإسرائيلية لتحميل حزب الله ومعه هذه المرة السلطة اللبنانية مسؤولية ووزر أي عمل عسكري سيحصل لاحقا، ولرفع المسؤولية عن السلطة الإسرائيلية، رغم الخروقات والهجمات والإغتيالات اليومية التي تقوم بها إسرائيل. وربما من هذه الزاوية يمكن تفسير رسائل الغضب الإسرائيلية والموجهة الى قوات اليونيفيل، كون قيادة قوات الطوارىء الدولية دأبت خلال الفترة الأخيرة على إصدار بيانات تركز فيها على الخروقات الإسرائيلية المتواصلة. وهذا ما دفع إسرائيل لاستهداف هذه القوات في رسائل تحذيرية. وكانت قيادة قوات اليونيفل قد أصدرت بيانا أكدت فيه قيام إسرائيل بالإعتداء على الأراضي اللبنانية في إطار بنائها لحائط الفصل. وجاء الرد الإسرائلي عبر استهداف دبابة إسرائيلية لقوات الطوارىء.
والمأزق الحقيقي الذي يدفع بنتنياهو للذهاب باتجاه التصعيد في لبنان لا ينحصر فقط في مسألة إعادة ترتيب الساحة اللبنانية وفق المتطلبات الأمنية التي تريدها إسرائيل، بل أن المأزق السياسي الداخلي يشكل الدافع الأكبر سعيا وراء “انتصار” يمنحه بريقا قادرا على تكبيل أيدي خصومه. فعدا مأزق محاكمته بتهمة الفساد والسيناريوهات التي أدانته أكثر مما أنقذته، فإن طرح ملف التقيق لتوزيع المسؤوليات إزاء عملية “طوفان الأقصى” تقض مضجع نتنياهو، خصوصا وأن اليمين الإسرائيلي مستاء من فشل هدفه الضمني والقاضي بترحيل الفلسطينيين عن غزة. فلقد واجه نتنياهو ردود فعل عنيفة من اليمين المتطرف داخل الإئتلاف الحاكم بعد البيان الأميركي في الأمم المتحدة الداعم لإقامة دولة فلسطينية. ولفتت في هذا المجال نتائج الدراسة التي أجرتها شركة “سكوبر” وشملت 21 ألف شخص حول منح نتنياهو عفوا في موضوع محاكمته بتهمة الفساد. وجاءت النتيجة أن نسبة 15% فقط تؤيد منح نتنياهو عفوا. وهو ما يعني أن نتنياهو يخطو باتجاه انتخابات تلوح بوادر الخسارة فيها. والخسارة هنا لا تعني فقط الخروج من الحياة السياسية بل فتح أبواب الإدانة والسجن. ووفق ذلك فإنه من الصعب تكبيل نتنياهو ومنعه من القيام بمغامرة عسكرية في لبنان تحدث دويا في الداخل الإسرائيلي، وتساعده على خطف الإنتخابات.
وفي الوقت نفسه فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب والذي بدأ يعاني من ابتعاد الشارع عنه، ما يرفع من مستوى قلقه من احتمال خسارة حزبه للأغلبية في الكونغرس بعد أقل من عام، يريد إستكمال الإتفاقيات الإبراهيمية كإنجاز كبير عجز عن تحقيقه جميع أسلافه. وللذهاب في هذا الإتجاه فهو بحاجة لاقتلاع ما تبقى من نفوذ إيراني خصوصا في لبنان، والبدء بتحضير الحوض الشرقي للبحر المتوسط لشراكة حول الثروة النفطية البحرية بين إسرائيل وتركيا وبمشاركة قبرص ومصر ولبنان.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة بعض جوانب الزيارة المثيرة للرئيس السوري أحمد الشرع الى البيت الأبيض، والتي يرى بعض المراقبين بأنها تأتي في إطار إعادة ترتيب النظام الإقليمي. وحدد الموفد الرئاسي الأميركي توم براك المهام التي سيتولى الشرع المساعدة على تحقيقها بعد الإعلان رسميا عن ضم سوريا الى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. ومن هذه الأهداف محاربة الحرس الثوري وحزب الله.
وسجل استحداث مراكز جديدة لقوات الشرع عند الحدود الشرقية الشمالية مع لبنان. وفي حين أبدت بعض المصادر المراقبة إهتمامها بهذا التطور الحدودي، إلا أن أوساط لبنانية معنية إعتبرت أنه لا داعي للقلق لأن ظهور هذه المواقع المستحدثة بدأ قبل زيارة الشرع الى واشنطن، وأنها تأتي في إطار ضبط الحدود لا التحضير لأعمال عسكرية. لكن الظروف دقيقة، والمشاريع المطروحة كبيرة. وفي دلالة على خطورة الملفات الجديدة التي حملها معه الشرع بعد عودته من واشنطن إطلاق صاروخي الكاتيوشا من قاعدة متحركة عند أطراف دمشق باتجاه منطقة المزة القريبة من مقر الرئيس السوري أي القصر الرئاسي، ومن حي الفيلات الذي يضم سفارات ومراكز حيوية ورسمية. وبدا الهجوم وكأنه ردا على نتائج زيارة الشرع الى البيت الأبيض وانضمام سوريا الى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. وكان التنظيم قد شن هجوما على الشرع في افتتاحية صحيفته الأسبوعية “النبأ” وتحت عنوان: على عتبة ترامب. كذلك حصل هجوم على رواد مقهى شعبي في ريف حمص والذي يشهد اختلاطا بين المسيحيين والعلويين. ويأتي ذلك أيضا إثر اعتقاد العديد من المراقبين بأن واشنطن باشرت تركيزها على الملف اللبناني عبر تكثيف تحركها تجاه بيروت بعد إنجاز ترتيباتها للملف السوري والمهام المطلوبة من دمشق.
ففي واشنطن ثمة اعتقاد سائد بأن الظرف الحالي الذي تمر به إيران يشكل فرصة ذهبية لا يجب تفويتها لأعادة ترتيب المنطقة، في وقت تراهن فيه إيران على لعبة الوقت، وهي اللعبة المفضلة لديها والتي تبرع في تطبيقها.
فهنالك هجمة دولية وإقليمية لتحجيم نفوذ إيران العسكري في الشرق الأوسط، وذلك من خلال إنهاك الإقتصاد الإيراني بموجة من العقوبات الأميركية والأوروبية على القطاعين النفطي والمصرفي ما أعاد الإقتصاد الإيراني الى حالة من الشلل الجزئي بعد سنوات من الإلتفاف على القيود الدولية. كذلك لم تعد العلاقات مع روسيا والصين كافية لتخفيف هذا الضغط، مرة لانشغال روسيا بحربها مع أوكرانيا ما يجعلها تتعامل مع طهران من موقع المساومة لا الشراكة، ومرة ثانية لتحاشي الصين من إغضاب ترامب وهي التي تفضل تنظيم خلافها معه وبشكل واضح على الذهاب الى المنطقة الرمادية والتي لا يمكن عندها التنبوء برد فعل الرئيس الأميركي.
وعلى المستوى الداخلي ثمة تذمر واضح لدى الشارع الإيراني من الوضع القائم. ووفق استطلاعات غير رسمية فإن ما يقارب ال91% يبدون امتعاضهم من الظروف التي تعيشها بلادهم. وهذا التذمر كان قد انتقل الى الشارع مع ما عرف باحتجاجات مهسى أميني، وحمل مطالب معيشية واجتماعية عدة.
ووفق أوساط مطلعة هنالك جناحين داخل النخبة الحاكمة. الجناح الأول يصنف كمحافظ متشدد ويقوده رجال الدين المقربين من المرشد علي خامنئي ويتمسك بالنهج الأمني ويرى ضرورة حماية الثورة من المؤامرات الغربية، وذلك من خلال القبضة الأمنية داخليا والحفاظ وتعزيز النفوذ الإيراني إقليميا. أما الجناح الثاني فهو المصنف بالجناح البراغماتي، ويعتبر أكثر مرونة في نظرته حول كيفية التعاطي مع التحديات القائمة، وهو يضم بعض الوجوه من الحرس الثوري إضافة الى مسؤولين سابقين في الحكومة، ويدعو هذا الجناح الى انفتاح اقتصادي وتخفيف القيود الإجتماعية بهدف استعادة شرعية النظام.
إلا أنه من الواضح بأن القرار الإيراني ممسوك من أنصار التيار الأول وهو ما تؤشر له التعيينات الأمنية والمواقع الحساسة. ويسعى هذا التيار الى تثبيت موقعه قبل أي انتقال متوقع للسلطة مستقبلا عبر إحكام السيطرة على المفاصل الأساسية للدولة. وينتهج هذا التيار سياسة المرونة المحدودة والمدروسة، أي غض النظر الإجتماعي بحدود معقولة لامتصاص نقمة المعارضة. وفي هذا الوقت أفساح المجال أمام العض على الجرح وانتهاج سياسة النفس الطويل إقليميا لتمرير المرحلة وتقطيع الوقت، قبل أن يتراجع أعداؤها للإنشغال بمشاكلهم وأزماتهم الداخلية ما سيشكل نقطة التحول لعودة إيران لانتهاج سياستها الهجومية الإقليمية من جديد من خلال السعي لإعادة بناء قواعدها الأقليمية. ومن هنا تتقاطع تل أبيب مع واشنطن حول ضرورة إنهاء الملف الإيراني في لبنان ولو اقتضى الأمر عبر ضربة عسكرية، قبل الذهاب الى ترتيب تسوية لبنانية وفق المعادلة الجديدة. ومن هنا التركيز إعلاميا على احتمال قصف إيران من جديد، في إشارة لثنيها عن أي مساعدة قد تقدمها لحزب الله في حال حصول الضربة العسكرية عليه في لبنان.
لكن الطبقة الحاكمة في إيران وعلى عكس الشارع ربما، لا تبدي قلقا كبيرا من احتمال تعرض إيران لهجمات جوية جديدة. وقد يكون هذا الشعور هو السبب بعدم استعجال إيران على إحياء المفاوضات النووية، وهو ما تعلنه طهران على الدوام. وما يدفع بعض المراقبين للإستغراب أن إيران لا تتصرف كدولة تخشى هجوما وشيكا أو خطرا داهما. وهو ما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كان هنالك من خطوط خلفية مفتوحة وتحصل فيها التفاهمات بعيدا عن الأضواء، وهو الأسلوب الذي ترتاح له طهران تاريخيا. والسؤال البديهي هنا أنه في حال وجود هذه التفاهمات، فهل أنها تطال لبنان أم أن الحسابات اللبنانية تخضع لصياغة مختلفة؟
خلال الإجتماع الأخير للجنة “الميكانيزم” طرحت إسرائيل وجوب قيام الجيش اللبناني بتفتيش كل منازل جنوب الليطاني تحت ذريعة وجود أسلحة ومسيرات مخبأة في هذه البيوت وأيضا مداخل أنفاق. وبالطبع رفض الجيش اللبناني الطلب الأسرائيلي. وكذلك بات الكلام الإسرائيلي ومعه الأميركي يتحدث عن السلاح جنوب وشمال الليطاني. وإذا أضفنا هذه المؤشرات على المناخ السياسي والتحركات العسكرية القائمة فإن المشهد يبدو قاتما من دون شك.


