
غادر الوفد الأميركي العاصمة اللبنانية تاركا خلفه العديد من الرسائل التي حملها معه من واشنطن. وأبرز تلك الرسائل على الإطلاق، مطالبته السلطات اللبنانية بخطوات عملية وفعلية قبل نهاية السنة، والتي تشكل مهلة تنفيذية جدية. والوفد الذي تعمد الإفصاح عن رسائله أمام العديد من الوجوه السياسية والنيابية التي التقاها، عمد الى رسم ما يشبه خارطة الطريق لما قد ينتظر لبنان: عقوبات، ثم ضربات إسرائيلية تشبه العمليات الجراحية، لتأتي من بعدها التسوية النتظرة وفق المعطيات الميدانية الجديدة.
وطريقة تكوين الوفد تعطي الإنطباع بأن مهمته “تنفيذية” أكثر منها استكشافية كما يحصل مع الوفود الأميركية العادية. تكفي الإشارة الى المراتب التي يتولاها هؤلاء، وحيث أن من بينهم من كان من عداد فريق غرفة العمليات الذي أشرف على عملية قصف المنشآت النووية الإيرانية. رغم ذلك بقي التقييم السائد لدى أركان السلطة في لبنان ولدى أوساط حزب الله بأن الحركة الأميركية والمترافقة مع رفع مستوى الإعتداءات الإسرائيلية إنما تدخل في إطار ضغوط الحد الأقصى للوصول الى التفاهمات المتوخاة أكثر منه الذهاب الى إعادة فتح جبهات حربية.
لكن المناخ الذي تركه الوفد الأميركي حذر بشكل واضح من تجاوز مهلة نهاية السنة. هو أراد من السلطة اللبنانية قطع “طرق الإمداد” التي يتنفس منها حزب الله، بدءا من تلك المتعلقة بالسلاح والذخائر ووصولا الى الأمادادات المالية كالقرض الحسن، وأن السلطة اللبنانية لم تعد تستطيع التذرع بعدم قدرتها. لكن رد أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم والذي تمسك بشكل حاسم بموضوع السلاح شمال خط الليطاني أوحى وكأن القرض الحسن هو بمرتبة وأهمية السلاح. وهنا تكمن المعضلة الكبرى. في الواقع ثمة مفهومين إثنين: مفهوم أميركي يريد الذهاب الى تسوية سياسية جديدة ولكن عبر طريق العقوبات وبعدها العمليات العسكرية الجراحية للوصول الى تفاهمات سياسية جديدة وفق العناوين المعروفة، ومفهوم حزب الله الذي يعتقد بأن أبواب الحماوة العسكرية ليست مفتوحة، وأن ما يحصل إنما يدخل في إطار الضغوط القصوى على وقع الإستهداف اليومي الإسرائيلي بهدف القفز فوق اتفاق 27/11/2024 وفرض اتفاق جديد وفق أسس جديدة، وهو ما يعارضه بالكامل. وقد تكون قيادة حزب الله قد قرأت في خلفيات المبادرة المصرية ما شجعها على هذا التقييم. فالتواصل الذي حصل بين حزب الله وأحد أعضاء الوفد المرافق لرئيس المخابرات المصرية حسن محمود رشاد حمل مبادرة من ثلاث نقاط تتدرج ما بين تنفيذ القرار 1701 ونزع السلاح جنوب الليطاني وثانيا إعلان حزب الله عدم القيام بأي عمل ضد إسرائيل وثالثا بدء مفاوضات لوقف النار وانسحاب إسرائيل وعودة الأسرى وترسيم الحدود وسحب السلاح من كل لبنان. هذه النقاط إعتبرها حزب الله قفزا فوق بنود الإتفاق الموجود، لكنه حرص على عدم إبداء موقفا نهائيا برفضها، ذلك أنه قد يكون اشتم وجود “طيف” السعودية في خلفياتها. وهو ما يعني وجود توجه جديد ينحو باتجاه بدء مسار تفاوضي صعب. وقد يكون حزب الله رصد أيضا إشارات ما تدفع باتجاه هذا التقييم، خصوصا وأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتحضر لزيارة تاريخية الى واشنطن، وهو يهمه الهدوء في غزة ولبنان، ويميل الى حسابات تتلاءم أكثر مع مستقبل المنطقة.
وجاءت رسالة حزب الله الموجهة الى أركان السلطة في لبنان من ضمن هذا التوجه ولو بصياغة قوية. فالبيان تعمد ذكر البند الثاني من الأتفاق بنصه الكامل حول عدم القيام بأي عملية ضد إسرائيل. كما ذكر البيان البند 13 والداعي الى مفاوضات لبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية لترسيم الحدود اللبنانية. وفي البيان أيضا رفض للتفاوض السياسي، ولكن ليس لمبدأ التفاوض الذي تحدث عنه البند 13.
لكن في كلام الشيخ نعيم قاسم “تطمين” للمستوطنات الشمالية والتزام بمنطقة خالية من السلاح جنوب الليطاني فقط، ورغم ذلك الحديث عن خطر وجودي، فمن هو المقصود؟ البعض قرأ في خلفيات هذا الكلام بأن التمسك بالسلاح هنا مرده للخشية من الحال العدائية الموجودة لدى الفصائل السورية القريبة من المناطق الشيعية. لكن أجواء حزب الله تقول بأن سوريا منشغلة الآن بمشاكلها الداخلية الكبيرة، وبأن المقصود هو الخشية من إقتطاع إسرائيل لمنطقة جنوب الليطاني وجعلها منطقة عازلة وبشكل دائم في ظل عدم خشيتها من وجود سلاح رادع. أما الكلام عن المستوطنات الشمالية لإسرائيل فهي رسالة بأن حزب الله لا يريد اللعب بالنار الآن.
وهنا أيضا هنالك من يضع عدم صدور أي تعليق من السعودية حول رسالة حزب الله في الإطار الإيجابي وليس السلبي. أضف الى ذلك “التودد” الحاصل من قبل إيران تجاه المملكة، وهو تطور سيصيب لبنان، وفق ما يعتقده أنصار حزب الله.
ووفق ما تقدم فإن ثمة تناقض واسع حول كيفية قراءة مآل الأمور في لبنان، بين تحذيرات حملت طابع الجدية الحازمة من قبل الوفد الأميركي وقبله مورغان أورتيغاس وتوم براك، وبين قراءة حزب الله وإيران من خلفه. ولا شك أن ملف القرض الحسن يشكل اختبارا حاسما بين القراءتين. وعلى المدى الأبعد، هنالك الهدف الذي يريده الرئيس الأميركي والذي جاهر به دائما والمتعلق بمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل والذي من المفترض أن يؤدي إما الى إتفاقية سلام كاملة أو الى إتفاقية أمنية على مستوى إتفاقية هدنة وفق معايير جديدة.
في واشنطن وصف ترامب الرئيس السوري بالشريك المحتمل في مواجهة التهديدات الإقليمية بما في ذلك نفوذ إيران. ورغم ذلك، لم تؤد زيارة الشرع الى اختراقات فورية وواضحة كمثل انضمام سوريا رسميا الى التحالف الدولي ضد الإرهاب، أو حتى رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بشكل نهائي. ورغم إعلان الشرع عن إنخراط بلاده في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وأنه “قطعنا شوطا جيدا في طريق التوصل الى اتفاق” إلا أن التمهل الأميركي في فك القيود عن سوريا بشكل نهائي قد يكون بسبب الحذر والتروي لإنجاز كل الأعمال المطلوبة من دمشق.
وترامب الذي حذر من غضبه أعضاء الوفد الأميركي الذي زار بيروت، يريد إنجاز الملف اللبناني بسرعة، بالسياسة أو بالقوة، والأهم أنه متمسك بمهلة نهاية السنة.


