
شكلت الغارات الإسرائيلية يوم الخميس الماضي على بلدات في جنوب لبنان يقع معظمها جنوب خط الليطاني مؤشرا واضحا على استعادة إسرائيل للأسلوب الذي كانت تتبعه خلال الحرب، وبالتالي البدء بمرحلة جديدة من التصعيد. لكن هذه الغارات جرى ربطها بالبيان الذي كان أصدره حزب الله قبل ساعات معدودة والموجه الى رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس والحكومة والذي تضمن رفضا لأي مفاوضات سياسية مع إسرائيل، ما أدى لاعتبار الإستهداف الجوي الإسرائيلي ردا عليه. وما لفت أكثر أن السكوت الأميركي إزاء ما حصل جرى تفسيره وفق مقولة “السكوت علامة الرضى”، وسط استمرار حملة التجييش عبر الإعلام الأميركي.
فالموفدة الأميركية مورغان أورتيغاس كانت غادرت لبنان وفي جعبتها قبول لبناني مبدئي بالذهاب الى مفاوضات لبنانية_إسرائيلية مطعمة بمدنيين ولو عبر صيغة الميكانيزم. وجرى تسمية إسم لبناني هو أكثر من تقني ولكنه لا يحمل صفة رسمية. وكما العادة، فإن موافقة الرئيس نبيه بري تعتبر بإسم الثنائي، ولو أن حزب الله كان سينأى بنفسه عن أي موقف علني بهذا المضمار. لكن صدور بيان حزب الله بهذه السرعة ووفق عبارات قوية بعض الشيء أحدث مفاجأة عند الجميع، لاسيما لدى الأميركيين، رغم أنه جرى التواصل من قبل قيادة الحزب مع الرئيس بري قبل صدور البيان لوضعه في أسبابه. ومع شيء من من التدقيق، تبين للأوساط الديبلوماسية المتابعة أن البيان الصادر يحمل في طياته موقفا إيرانيا كاملا. فصدور البيان بهذه السرعة يؤشر لذلك، وإلا كان يمكن لحزب الله إنتظار أول إطلالة خطابية لأمينه العام الشيخ نعيم قاسم للإدلاء بموقفه، والتي هي محددة يوم غد الثلاثاء، فلماذا الإستعجال إذا؟ كما أن الإدلاء بالوقف عبر بيان مكتوب يحمل عادة موقف يراد منه الدقة في التعبير. ووفق هذين العاملين إستنتجت الأوساط الديبلوماسية بأن إيران هي من تقف بالكامل وراء البيان، وهي أرادت إقفال الباب على أي فكرة تفاوض أقله في المرحلة الراهنة، وسحب الهامش الضيق الذي يحظى به الرئيس بري في هذا الموضوع بالذات. ومن هنا إعتبار البعض بأن واشنطن كانت موافقة، كي لا نقول مباركة، للمنحى التصعيدي الجديد الذي اعتمدته إسرائيل، وليكون بمثابة جواب سريع على طهران التي تشهد مفاوضاتها مع واشنطن تعثرا واضحا.
وعلى الرغم من ذلك، فإن ماحصل إنما يدخل في السياق العام الآيل لتدحرج الأمور. فالمرحلة وفق التوصيف الأميركي هي مرحلة الرفع المتدرج لمستوى الضغوط العسكرية على حزب الله، والمرفقة بتشديد الخناق عليه ماليا لمنعه من التحرك بحرية. فمن الواضح أن إسرائيل بات لديها حرية التحرك في لبنان في المرحلة الحالية. وأن واشنطن باتت تمنح تل أبيب الضوء الأخضر للذهاب باتجاه العمل على تدمير القدرة العسكرية لحزب الله. فالحكومة الإسرائيلية إشتكت طوال الأشهر الماضية بأن حزب الله يعيد بناء قدراته العسكرية، وأنها لا تستطيع ترك الساحة اللبنانية لتعود الى سابق عهدها، فهذا تراجع “قاتل” وفق ما تنقله الأوساط الديبلوماسية الأميركية عن الحكومة الإسرائيلية. وتضيف هذه الأوساط بأنه إذا كانت أهداف الحرب التي شنتها إسرائيل منذ أكثر من عام ضمان الأمن لشمال إسرائيل والسعي لتفكيك المحور الإيراني، فإن الهدف الذي تحمله الآن هو تدمير القوة العسكرية لحزب الله بشكل كامل وتأمين فك ارتباطها مع طهران بشكل نهائي. ومن الواضح أن إدارة دونالد ترامب تتقاطع بالكامل مع هذين الهدفين.
وفي هذا الإطار ثمة أشارتين لافتتين. الأولى، وهي الزيارة التي قام بها وفد من القيادة الوسطى للجيش الأميركي “سنتكوم” الى القيادة العسكرية الإسرائيلية وحيث جرى الإطلاع على خطط قيادة الشمال، والثانية والمتعلقة ببدء تحضير سكان المستوطنات الشمالية لاحتمال اندلاع جولة حرب جديدة. وفي موازاة ذلك تعمل واشنطن على تشديد الخناق المالي حول حزب الله أكان على المستوى الداخلي أو حتى الخارجي. وتردد أن واشنطن تركز رقابتها على مصدرين يؤمنان المال لحزب الله، وهما دول غرب أفريقيا، والمثلث المشترك بين الأرجنتين والبرازيل والباراغوي في أميركا الجنوبية.
لكنه لفت خلال الأيام الماضية تركيز إعلامي على الجيش اللبناني، وحيث جرى تناقل معلومات تشير الى تحذير إسرائيلي عبر واشنطن للجيش اللبناني تتهمه بالتقصير وبأن حجم عملياته ضد حزب الله ليس كافيا. وأوردت القناة 12 الإسرائيلية أن تل أبيب قدمت إثباتات لواشنطن تفيد بأن الجيش اللبناني لا يعمل على منع أعادة تسليح حزب الله. وأضافت أن إسرائيل حددت مهلة للحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله قبل أن تبدأ عملية هجومية كبيرة، ولكن من دون أن تشير الى الموعد النهائي لتلك المهلة. وزعمت هيئة البث الإسرائيلية نقلا عن مصادر في الجيش أن الهجوم على لبنان يجري تحضيره بالتنسيق مع واشنطن. وجاء ذلك بموازاة كلام للمبعوثين الأميركيين الى المنطقة، وفي طليعتهم توم براك، بأن الوقت ينفذ وأن على السلطة اللبنانية التحرك لنزع السلاح، وأوحوا بأن واشنطن لن تمانع في حال اتخذت إسرائيل قرار الضربة العسكرية. لا بل أن هنالك الكثير من الهمس في الأروقة الديبلوماسية بأن ظروف الضربة العسكرية على حزب الله تختلف بشكل جذري عن تلك التي كانت حاصلة ضد حركة حماس في غزة. فصحيح أن القوة البرية الإسرائيلية قد تكون منهكة بعد عامين من القتال الصعب في غزة، إلا أن الحملة على لبنان ستتركز أكثر على القوة الجوية، وربما تحتاج للإستعانة بقوى كوماندوس محدودة للقيام بعمليات موضعية.
وجاء استهداف مبنى سكنيا يبعد حوالي 250 مترا فقط عن مركز الجيش اللبناني في كفردونين يوم الخميس الماضي بمثابة ترجمة لرسائل التهديد الجاري توجيهها للجيش اللبناني. فالمبنى المستهدف هو سكني بامتياز وجرى تأكيد ذلك بعد المسح الذي أجراه الجيش إثر الغارة. وعليه، فإن ما حصل كان بمثابة الرسالة الميدانية ضد الجيش. وحتى الإستهدافات الخمس الأخرى التي حصلت، والتي جرى استباقها بإنذارات الإخلاء لإضفاء الطابع الحربي عليها ربما، كانت مدنية وسكنية صرف، ولم تكن هنالك أي آثار حزبية عليها. إلا إذا اعتبرت إسرائيل أن “المنشرة” التي كانت موجودة في إحدى هذه الأبنية الخمس هي هدف عسكري أو لوجستي لحزب الله.
وعلى الرغم من هذه الرسائل الحربية تجاه الجيش، إلا أن بعض الأوساط الأميركية المتعاطفة مع الجيش تبدي تفهمها للقدرات المحدودة التي تشل عمل الجيش اللبناني. فهي تقول أنه لا يجب أن نخطىء التقدير في تقييم إمكانية حركة الجيش وسط الظروف القائمة، إلا إذا كان المطلوب “أذية” الجيش وشرذمته. كذلك، تضيف الأوساط نفسها، فنحن لا نسعى لحرب أهلية جديدة لا نعرف كيف ستنتهي. لكن هذه الأوساط باتت تتحدث عن مساحة جديدة يجب “تنظيفها” بالكامل من السلاح، وتتجاوز الليطاني لتصل الى الأولي. وهو ما يعني مسألتين: الأولى، إنهاء الوضع العسكري للمخيمات الفلسطينية ومن بينها عين الحلوة. والثانية، تأمين الواقع الغازي الجديد وشبكاته البحرية والتي تربط ما بين تركيا شمالا ومصر جنوبا وقبرص غربا وإسرائيل ولبنان شرقا.
بالنسبة للمسألة الأولى، فإن التقييم الأولي حول مسألة نزع السلاح من المخيمات أظهر بأن ما حصل لم يتسم بالجدية المطلوبة. وأظهرت الجرائم التي حصلت بأن خطوط التواصل بين شبكات المخدرات في البقاع والمخيمات الفلسطينية ما تزال تعمل بسهولة. لذلك باشر الجيش اللبناني منذ فترة بتشديد الخناق وأحكام الطوق حول المخيمات كلها، بما فيها مخيم عين الحلوة. كما عمل على إقفال جميع المداخل الجانبية للمخيمات والتي كانت تصنف سابقا كممرات عسكرية. كما جرى تحريك جميع الأجهزة الأمنية للقضاء على كافة شبكات تهريب المخدرات. وجرى التنسيق مع الأجهزة الأمنية السورية لتأمين إقفال محكم للحدود. وتنقل الأوساط اللبنانية المعنية وجود تعاون كامل من قبل السوريين لكل ما يطلبه لبنان منها في هذا المضمار. وهي تعتبر أن تهريب المخدرات خصوصا في منطقة البقاع إنخفض بنسبة تتراوح ما بين 70% الى 80%، وأن العمل جار لإجراء ضبط كامل لهذا الملف. خصوصا وأن القناعة الغربية واضحة بحتمية القضاء على شبكات المخدرات، وأيضا على الفساد المالي والإداري كمدخل إلزامي لإعادة بناء ركائز صحيحة وسليمة للدولة اللبنانية.
أما المسألة الثانية والمرتبطة بمنطقة الساحل الشرقي للبحر المتوسط، فإن المطروح ضم لبنان مستقبلا الى منتدى غاز شرق المتوسط، ما قد يفتح هنا حتمية التطبيع، وهو ما يستلزم مظلة أمنية داخلية ملائمة.
وفي وقت تجري إسرائيل تدريبات مكثفة تحاكي مواجهات مع حزب الله ثمة تداول بأن العملية العسكرية الإسرائيلية ستكون بحدود الأسبوعين أو الثلاثة كحد أقصى. ورغم الحديث عن تصعيد متدرج يحكى عن تطمينات تلقتها بيروت وأعطتها واشنطن، بضمان تأمين زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية الى لبنان بعيدا عن أي توتير عسكري.
وبموازاة هذه الأجواء الدقيقة التي تحيط بلبنان، يجري تكريس الإنقلاب الهائل الذي طال سوريا والذي أدى الى نسف المعادلات الإقليمية التي قامت عليها المنطقة سابقا، من خلال زيارة أول رئيس سوري الى البيت الأبيض. فزيارة أحمد الشرع الى واشنطن تشبه الإختبار المعقد والذي تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع الأبعاد السياسية، ولا شك أن لبنان سيكون موجودا في بعض جوانب هذه المحادثات. وهذه الزيارة التي تؤكد انتقال سوريا من الدوران في الفلك الروسي تاريخيا الى الفلك الأميركي، تؤشر الى بدء حقبة جديدة في الشرق الأوسط، أقله في الأمد المنظور. وإعلان ضم سوريا الى التحالف الدولي ضد الإرهاب يتطلب مستلزمات عملية كمثل ربط الأجهزة الأمنية السورية بشبكات تواصل عالية السقف وبالغة السرية مع الأجهزة الأميركية المختصة. والتاريخ علمنا أن إسرائيل قد تنسف لاحقا هكذا أنواع تعاون بين قوى في المنطقة وواشنطن. لكن على المدى القريب، فإن مهام كثيرة ستتولاها دمشق، ولبنان هو الجار الغربي لسوريا، وحيث لحزب الله مواقع مهمة عند المناطق الحدودية المتاخمة له. ولذلك تتفهم بعض الأوساط الأميركية أن تحتفظ مجموعات شيعية في البقاع بسلاح خفيف يؤمن حمايتها بسبب خوفها من انتقامات قد تأتيه من سوريا بسبب مشاركتهم في الحرب التي دارت في سوريا. لكن السلاح الثقيل والذي يحمل عنوانا إقليميا يجب إزالته. فالتأثير الإيراني في لبنان والرهان على الوقت والظروف لاستعادة النفوذ عند الساحل الشرقي للمتوسط، تعارضه واشنطن بالكامل.
وقد يكون الدرس الأبرز الذي لا بد من استخلاصه من الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان العام الماضي أن واشنطن جادة في إرساء معادلة جديدة في المنطقة، وأن إسرائيل تستغل الحاجة الأميركية لجيشها لترسيخ أطماعها وغرض رؤيتها.


