
التهبت المنطقة فجأة من اليمن الى غزة، كما ارتفع مستوى الحماوة في لبنان. وبخلاف أيام إدارة جو بايدن فإن إدارة دونالد ترامب أعلنت بدء حملة جوية قاسية على الحوثيين بهدف تدمير إمكاناتهم الهجومية وجاهرت بدعمها المباشر لتجديد إسرائيل حربها على غزة. وكي لا نخطىء في حساباتنا فإن بدء “حملة الضغوط القصوى” تتزامن مع ظروف دولية تعتقد الإدارة الأميركية بأنها مؤاتية في حملتها التي تستهدف إيران.
فالعلاقات الأميركية_الروسية دخلت فعليا وعمليا في مرحلة جديدة. والإتصال المطول بين الرئيسين الأميركي والروسي والذي دام حوالي ساعتين ونصف الساعة يوحي بأنه لم يقتصر على الوضع الأوكراني فقط، بل أنه طاول الوضع الأوروبي والمطالب العسكرية والأمنية والإقتصادية الروسية، إضافة الى وضع إيران والشرق الأوسط. وبعد الإتصال ظهرت إشارات إيجابية من واشنطن وموسكو على السواء. وتزامن ذلك مع تسريبات أميركية حول نية واشنطن التنازل عن رئاسة حلف الناتو. وهو ما يدفع للإستنتاج بوجود “صفقة” كبرى بدأت بوادرها بالظهور. وتكفي الإشارة الى تفاؤل ترامب وبوتين باحتمال حصول تعاون إقتصادي بين بلديهما في حال تحقق السلام. وتعتبر هذه النقطة مكسب ثمين للإقتصاد الروسي الذي رزح منذ بدء هجوم الجيش الروسي على أوكرانيا تحت وطأة العقوبات الأميركية والأوروبية، إضافة الى افتقاده للأسواق الأوروبية أمام صادراته من الغاز، وهو ما حرمه من مردود مالي مهم.
ويؤشر ذلك الى استعجال ترامب في ترتيب الساحة الدولية للتفرغ لتطبيق خطة إحتواء التمدد الصيني. ويتزامن ذلك مع مواصلة الجيش الأميركي تدريباته العسكرية واسعة النطاق في المحيط الهادئ وهي المنطقة الأكثر حساسية والأهمية لمواجهة النفوذ الصيني. وتشمل مناورات “درع الحرية 25” إشراك طائرات مقاتلة من نوع الشبح، أي تلك التي لا تستطيع الرادارات رصدها إضافة الى طائرات مقاتلة من الجيل الرابع.
ولكن ترامب يدرك جيدا أن إغلاق أو على الأقل السيطرة والتحكم بلهيب الحرب الأوكرانية لا يكفي للتفرغ للمواجهة مع الصين. فهنالك لهيب الشرق الأوسط والمقصود هنا تحديدا الواقع الإيراني والذي يشكل ثغرة كبيرة في الخطة الأميركية لمحاصرة التمدد الصيني. فعدا الحاجة لإغلاق كل ثغرات الشرق الأوسط لمنع نفاذ الصين من خلالها، هنالك ما يتعلق بالواردات النفطية الإيرانية الى الأسواق الصينية، والتي تحتاجها بشدة القطاعات الصناعية الصينية.
وإذا كان التواصل المباشر بين البيت الأبيض والكرملين يوحي بمقايضات وتفاهمات ستطال الواقع الإيراني بطريقة أو بأخرى وسيدفع بها لخسارة سند دولي مهم، فثمة مؤشرات اخرى على المستوى الإقليمي قد لا تكون في صالح طهران. فالإعلان في تركيا عن اعتقال رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو إنما يعطي دلالات أبعد من الساحة التركية. ذلك أن نجاح الرئيس التركي أردوغان في إبعاد منافسه الرئاسي الأقوى ما كان ليحصل بهذا الهدوء لولا اطمئنانه الى أنه لن يواجه حملة دولية ضده. وهو ما يعني بشكل من الأشكال وجود تفاهمات وأدوار جرى إيكالها الى تركيا ستمنع حصول “عاصفة” إنتقادات ضده. ولا حاجة لجهد كبير للإشارة الى الدور الجديد الذي باشرته تركيا في سوريا والمنطقة والذي يرتكز على معادلة جديدة لا تقوم فقط على مبدأ التوازن مع النفوذ الإيراني بل أيضا على مبدأ حائط الصد له.
وثمة مؤشر إضافي له دلالاته البعبدة. فمطلع الأسبوع المقبل ستوقع إسرائيل مع أذربيجان على إتفاقية تسمح بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في الساحل الإسرائيلي. والعلاقة التي نجحت إسرائيل في ترسيخها مع أذربيجان أو الجار المزعج لإيران أنتجت بناء مقر إستخباراتي إسرائيلي عند منطقة قريبة من الحدود مع إيران وحيث جرى تجهيزها بأحدث معدات الرصد والتجسس. وقيل أن معظم العمليات الأمنية التي نفذتها إسرائيل على الأراضي الإيرانية ساهمت بها هذه القاعدة الإسرائيلية. مع الإشارة الى الحساسية المطلقة للعلاقة بين إيران وأذربيجان بسبب وجود ما نسبته 20% من التركيبة السكانية الإيرانية من أصول آذارية.
كل تلك المؤشرات قد تكون شجعت إدارة ترامب على بدء مرحلة الضغوط القصوى لترويض إيران ودفعها للموافقة على التفاوض مع واشنطن وفق الشروط التي باتت معروفة: الملف النووي، وتحديد مدى الصواريخ البالستية والفرط صوتية، والإنسحاب من الساحات المعروفة بساحات نفوذ إيران في المنطقة.
ووفف أوساط ديبلوماسي عربية فإن الرسالة الأميركية التي حملها الموفد الإماراتي الى طهران مفادها بأنه إما الموافقة على المطالب الأميركية عن طريق المفاوضات أو عن طريق القوة.
ولذلك لا بد من الإقرار بوجود رابط واضح بين التصعيد ضد الحوثيين وبين استعادة نتنياهو لمسار الحرب المدمرة على غزة، وأيضا لتصاعد التوتر في لبنان جنوبا وبقاعا. والرابط هنا ليس بالتوقيت فقط بل أيضا بالأهداف. صحيح أن المطلوب في اليمن إزالة قدرة الحوثيين على تهديد الممرات البحرية، لكن الهدف الأساس هو النفوذ الإقليمي الإيراني. وصحيح أن نتنياهو يريد استئناف الحرب على غزة لتحقيق مشروع اليمين الإسرائيلي والقاضي بتهحير الفلسطينيين عن أرضهم، لكن المطلوب أيضا إنهاء النفوذ الإيراني في الساحة الفلسطينية. ولا شك أن لنتنياهو أسبابه الداخلية أيضا، لذلك استبق استئناف حربه بإعلانه إقالة رئيس جهاز الشاباك المناهض له في سابقة في الحياة السياسية الإسرائيلية، وهو ألغى أيضا شهادته في محاكمة الفساد المتهم بها، واستعاد في الوقت نفسه مشاركة اليمين المتطرف في حكومته ما جعلها أكثر تحصينا. هو استغل اللحظة التي يريدها ترامب لتحقيق نقاط عدة. لكن العنوان الأميركي العريض يبقى في تقليم أظافر إيران الإقليمية. لذلك هنالك من يتوقع أن تتدرج الحملة العسكرية الإسرائيلية صعودا بموازاة تدرج الحملة الجوية الأميركية ضد الحوثيين. ولا يستبعد المراقبون أن تتطوى الحرب الإسرائيلية لتصبح هجوما بريا، لاسيما وان إسرائيل طلبت إخلاء المناطق السكنية المجاورة لحدود القطاع معلنة إياها “ساحة حرب”، مثل رفح وخان يونس ومدينة غزة وغيرها.
أما في لبنان فعدا “حرب الإغتيالات” التي تستمر بها طائرات الدرون الإسرائيلية وسط التمنع عن الإنسحاب من الجنوب، هنالك جبهة أخرى اشتعلت عند الحدود اللبنانية_السورية في الهرمل. وقد تكون أعمال التهريب هي التي أشعلت فتيل المواجهات الأخيرة، لكن استثمارها جاء كبيرا وبخلفيات أبعد، وسط همسات حول وجود تشجيع خارجي لها. وقيل أن الهدف هو بإقفال مسارب التهريب الموجودة في المنطقة والتي جرى بناؤها خلال المراحل السابقة والتي ما تزال تعمل ولو بوتيرة أضعف لتأمين الترابط بين حزب الله وإيران بأشكال صعبة. من هنا يمكن تفسير الرد الإيراني الرسمي تعليقا على الإشتباكات التي دارت. خصوصا وأن الحل المنطقي المطروح هو بأن يمسك الجيش اللبناني بالحدود وبكل المسارب وبأن يضبط الوضع ويمنع أي احتكاكات أو اشتباكات يمكن أن تتطور وتنزلق باتجاهات دراماتيكية كون اللعبة هنا لها علاقة بالصراع الكبير في المنطقة.
ومكمن القلق لا يقف عند حدود ما أعلنه ترامب بأن الحملة على الحوثيين وبالتالي “التصعيد الأقصى” سيستمر لأسابيع عدة وغير محددة. فالقلق هو من احتمال تطور الضغوط لتأخذ أشكالا أمنية في حال لم يؤدي الواقع العسكري المطلوب منه. وتهمس الأوساط الديبلوماسية بوجود قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن الحرب الأمنية التي اعتمدتها إسرائيل، والمقصود هنا حرب الإغتيالات، قد أدت الى النتائج المطلوبة. فمن جهة إغتيال قادة حزب الله في لبنان، ومن جهة أخرى حملة الإغتيالات والتصفيات الإيرانية في سوريا، وكذلك تلك التي طالت قادة وزعماء حركة حماس والتي جاءت ذروتها مع اغتيال زعيم حركة حماس خلال وجوده في طهران. ويعتبر أصحاب هذا التوجه بأن استهداف جيل القادة من جديد إن في لبنان أو في إيران أو اليمن أو غزة قد يؤدي الى قلب المعادلة بشكل نهائي في المنطقة. وهنا مكمن الخطورة، خصوصا وأن هؤلاء يعتبرون أن نجاح ترامب في اغتيال الجنرال الإيراني وباني استراتيجية محور المفاومة قاسم سليماني أدى الى توجيه ضربة قوية لهذا المشروع يومها. أضف الى ذلك بأن الظروف الدولية وحتى الإقليمية تسمح بالذهاب في هذا الإتجاه.
واستطرادا فإن الأسابيع المقبلة تبدو شديدة الخطورة خصوصا مع وجود قناعة بأن الإغتيالات الكبيرة قادرة على تحقيق واقع جديد من دون الدخول في أتون الفوضى التي لا تجيد واشنطن إدارتها عادة. إلا إذا انقلب السحر على الساحر ونجح طرف ما باغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع وسط انقسامات عميقة ما تزال تعيشها الساحة السورية ولم تستطع الإدارة السورية ضبطها وتنظيمها. عندها تصبح الحسابات مختلفة من دون شك.


