
احتلت مسرحية ترامب زيلنسكي وجنبهما ج.د.فانس شاشات التلفزة والبرامج الاخبارية والفكاهة المأساوية، حتى بات يتداول مشهد مضحك مبكي يختزل الواقع العالمي المذري يصور تشابك بالايدي بين الرئيسين،
ماذا جرى؟؟
وكما يجب وكما توقعت وبعكس كل التوقعات ، وفي أغلبها مفاجئة ولا تنم عن فهم مكنونات النفوس التي فيها القليل من الكرامة وعزة النفس والوطنية اكثر منها فردية شخصية.
اعتلى ترامب العرش وتسيد البيت الابيض بعد خروج مذل قبل اربعة اعوام بالتمام والكمال. ولا يخفى على أحد همجية هذا الرجل المعتاد الرهان على حسم الامور في الحلبات، وكان اخرها ما جرى على حلبة الكابيتول عندما هاجم ورعاهه المبنى احتجاجا” على ما ادعى انه تزوير نتائج الانتخابات التي جاءت بفارق كبير تجاوز السبعة ملايين صوت في حادث لا تشهده الا دول العالم الثالث بإيعاز اميركي او أطلسي( ناتو) بريطاني فرنسي خصوصا”.
إحدى اولى “هبجاته” من ضمن استراتيجيته الجديدة القائلة ما لا يربح لا ضرورة له ،و/أو البحث عم مصادر للمال وتقليص الانفاق الغير مجدي، كانت اوكرانيا احدى أولوياته باعتبارها مزرابا” للانفاق الغير مجدي على حد تعبيره ويجب ايقاف الهدر بإنهاء الحرب اسوة بمقولته :”عهدي عهد اللا حروب أو صفر حروب”.
استدعى ترامب زيلنسكي المستاء من هذه السياسة التي ستكون اوكرانيا و/او الدعم الاميركي العسكري والمالي لها هو الضحية بكل ما يعنيه فقدان السند الاقوى. والاخير اعتاد أن يدخل البيت البيضاوي فاتحا” غانما” في عهد بايدن ويعود بجرعة “فياغرا” منشطة من الاسلحة المتطورة والمال، طالما المهم الاستمرار في استنزاف روسيا وخلفها اوروبا التي تزحف اكثر واكثر تحت أقدام الكاوبوي حتى ٱخر اوكراني كما كان يردد الخرف بابدن.
فحوى حديث ترامب في تلك المقابلة كان واضحا” وقد كرره مرارا” والزيارة لمجرد الابلاغ الرسمي وطلب الطاعة ومن ثم إلزام الجانب الاوكراني دفع ما طالب به ترامب وبات على الورق كنص لاتفاقية تسليم ثروات وخيرات اوكرانيا النادرة لاميركا ثمن إخضاعها لاهوائه بانهاء الحرب واعلان الهزيمة الاوكرانية والتنازل عما بات تحت السيطرة الروسية من اراضي في الدومباس ولوغانسك.
المتابع سمع ايضا” أن الرئيس الاوكراني اعترض على ما أسماه ترامب اتفاقه مع بوتين على أنهاء الحرب وتمت المفاوضات الشكلية في السعودية وبغياب اوكرانيا المعني الثاني أو الاساسي في القضية.
يبدو أن العارفين بشخصية زيلنسكي الركيكة لم يكونوا يتوقعوا ما توقعنا أن يحدث في اللقاء بينهما وقد كانت ملامحه تشي على ما لديه، وكان استغرابنا بعكس الاخرين بداية من عنوان الزيارة الذي مهد له المضيف بأنها للتوقيع على اتفاقية تسليم ثروات اوكرانيا لاميركا وفي احسن الاحوال تقاسمها ضمن صندوق “سيادي” مشترك ومن ثم القبول باتفاقية ” إعلان الهزيمة” دون قيد أو شرط. وإذا كان في الاخيرة واقعية ورضوخا” للأمر الواقع بانسحاب الداعم والممول الاكبر للحرب طبقا” لأراء المحللين فإن هؤلاء ربما نتيجة العولمة وفقد الحس القومي والوطني بات كل شيء مباح ومحلل للبيع والتنازل ، فاتهم بأن الرؤساء ليسوا ملاكا” ولا مخولين التفريط بالسيادة او بحق الاجيال القادمة بالارض وخيراتها، إنما هم مؤتمنون لا يحق لهم التصرف كيفما شاؤوا. ربما فهمها أو تحركت رجولته( المشكلوك بها) أو أفهمها بوجود من حذره أوروبيا” من مغبة التفريط وخاصة البريطاني تشيرمر وماكرون المطعونين في صميم تاريخهم الاستعماري.
من هنا جاءت أغلب الاراء وردود الفعل بداية في المواجهة بين الرئيسين التي سيخسر فيها زيلنسكي أكثر من خسائر بلاده على الارض، سيخسر كل ما فيها من خيرات باطن الارض، وهي في مجملها حق الاجيال القادمة وضمان مستقبل البلاد، جاءت كلها تعتبر أن الضيف خسر وأهين إما تمجيدا” بالقوي وإن بغى وظلم، وإما سترا” لصفعة تلقاها الامبراطور “الابرص” المرهوب والمهاب الذي يقدم له الاعلام صورة الجبار القادر على كل شيء بقرار ( التطبيل المأجور للقوي) وتصف اسطوريا” حالة زيلنسكي المهزوم والمهان!!!
رويدا” رويدا” بدأت تنجلي الصورة بعدما أجريت جردة الربح والخسارة وتقييم الموقف إختصرها ترامب نفسه والخارجية الاميركية بالطلب الى زيلنسكي بالاعتذار من الشعب الاميركي على الاهانة التي تسبب بها، دون إعلان الخسارة المادية وخزلان السمسار المقاول التي كانت موعودة بها خزينة البيت البيضاوي المتعطشة للمال نتيجة الشح فشعروا بأن النصف تريليون التي كانت ستسلب وأغلب الظن بأنها لن تعود وغيابها يظهر تغول ترامب على التوقيع.
شكلت هذه الزيارة أو ستشكل الشعرة التي قسمت ظهر البعير، لا على صعيد العلاقات الاميركية الاوكرانية فحسب بل على صعيد العلاقات الاميركية الاوروبية التي شهدت تصدعا” واضحا” مع وصول ترامب الغير مرحب به اطلسيا” قبل وصوله الى الرئاسة ، والاخير يعتبر أن اميركا تحمي أوروبا مجانا” وبالتالي هذا مشروعال Nato خاسر أعلن بالأمس وزير “التوفير” مخبول السياسة ايلون ماسك نيته في الخروج من هذا الحلف الاطلسي الذي استبقه الرئيس الفرنسي بدعوة اوروبا للتهيؤ للاستقلال عن التبعية لاميركا ومشروع مارشال المهين ، وكادت تتوج باقتسام اوكرانيا (لو تم التوقيع مع زيلنسكي) مع روسيا العدو المفترض لأوروبا الذي يجعل من الناتو ضرورة.
الحكمة التي يجب أن تتلقفها الشعوب المراهنة على راعي البقر أنه سيبيعهم عند اول شاري، أو في أول صفقة رابحة غير آبه لقيم وعلاقات. فبالامس كانت اوكرانيا “البقرة” المدللة باتت اليوم تحت المقصلة لو لم تفسد رعونة الكاوبوي اللعبة الرخيصة.
على شعوب الامم الصغيرة البحث عن ضمان وجودها مصالحها في محيطها الطبيعي والانضواء ضمن وحدات ثابتة وراسخة بعيدة عن العصبيات والاحلام_ الاوهام بالاستقواء ضد ابن الوطن والجار باستجلاب واستقواء ب “الكبار ” فيصيبهم ما أصاب الثور الاسود الذيدتحامل أو تآمر على زميليه فقال:” …أكلت يوم أكل(كسر الكاف) الثور الابيض”. بالامس دخل الاردني ملكا” الى المقثلة وخرج ذلبلا” لكن بربطة عنق ووداع بالابتسامة الدبلوماسية الكاريكاتورية ” السمجة” المعهودة مجردا” من وهم أمجاد الملك ، مثله مثل كل من دخل وسيدخل الي تلك المقصلة مهما تزين. وما ربطة العنق سوى “الرسن” أو الطوق الذي يربط حول عنق من يخالف الاملاءات الصادرة عن الامبراطور الكاوبوي. ما يشرع السؤال: الهذا تخلف الرئيس المصري عن الزيارة؟ والى متى؟ وهل سيكون كالملك المجرد من “جلاله” أو كالمهرج ااذي لبس ثوب الرجولة تلك اللحظة؟؟؟
مهما تكن نتائج وارتدادات موقف زيلنسكي سيكتب التاريخ( وبدأ، رغم أنه خالفه بعداء أمه أو جارته روسيا) إضافة الى فرادة وغرابة الحدث، بأن الكومبدي الذي مشى كالدمية في الركب الاستعماري الرأسمالي وقف يوما” وقغة العز” ولم يبع أو يسلم حق أجيال الغد في ثروات بلادهم .
فهل يقف حكامنا الذين تراجعوا تحت الضغط أو الخوف أو الاغراء أو كرمى لعيون هوكشتين وسواه عن الحدود البرية والبحرية، وأضاعوا الكثير وآخرها التنازل عن الخط 29 فتنازلوا عن حق الاجيال القادمة لم يفوضوا بالتنازل عنه ولا هم مخولين( تحتاج استفتاء) ، ويطلبوا بتحرير آخر شبر من التراب الفومي ولو شرفهم أو كلفهم أن يتبنوا المقاومة علنا” كما فعل الرئيس اميل لحود ومن بعده الجنرال الرئيس ميشال عون حتى استعادة كامل الحقوق .وأيوب ما زالت حاضرة قادرة وإن توقف محركها لفترة.
كونوا وقفة العز ولا تتخاذلوا فالتاريخ والاجيال لا ترحم


