مقالات صحفية

“أي “حزب الله” للمرحلة المقبلة” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

السؤال الأبرز كان وسيظل حول مستقبل حزب الله بعد الضربات القاسية التي تعرض لها والتي أصابته في الصميم والتي أدت الى الإجهاز على معظم طاقمه القيادي وخصوصا القضاء على رمزه التاريخي، وأيضا بعد التطورات الهائلة التي حصلت في سوريا والتي جعلت تواصله مع إيران أو الجهة التي يتنفس من خلالها صعبا جدا وشائكا.
حتى الآن ما يزال حزب الله يتصرف وكأن الحرب ما تزال قائمة. فأمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم يبقى غائبا عن الأنظار حتى عن مناسبة تشييع الرمز التاريخي السيد حسن نصرالله. وكذلك من تبقى من القيادتين العسكرية والأمنية للحزب. وهو ما يدفع للإعتقاد بأن وراء ذلك الخشية من قيام إسرائيل بالإستمرار في عمليات الإغتيال بواسطة طائرات الدرونز التي لا تغيب أبدا عن الأجواء اللبنانية. وحتى القيادات السياسية والنيابية والتنظيمية للحزب تقوم بممارسة نشاطها اليومي من منازلها. فالمكاتب والمقار الحزبية دمرت. أما الأماكن السرية فبقيت على سريتها. لا بل أن وسائل التواصل بينها فهو بدائي، أي من دون استخدام الهاتف على أنواعه، بل عبر إيصال الرسائل من خلال رسول. واللقاءات أو الإجتماعات فهي تحصل في أماكن متفرقة ومتنوعة ومتنقلة.
لكن ثمة توجه للبدء بالتكيف مع الظروف الحالية والبدء بالتحضير لورشة إعادة التنظيم وفق المعطيات الحالية وعلى أساس الصيغة المستقبلية لحزب الله.
ولا شك بأن خطاب قاسم في تشييع نصرالله وصفي الدين والذي حمل عناوين لافتة وجديدة كان قد استحوذ على درس مشبع، والإنطباع الغالب أن طهران لم تكن بعيدة عن هندسته. لكن هل يمكن الإستنتاج من خلاله بأن زمن التركيبة العسكرية لحزب الله قد جرى وضعه جانبا؟ لا شك بأنه من المبكر الذهاب الى استنتاجات قد تكون متسرعة.
عندما نجحت إسرائيل في اغتيال القائد الرمز ومن ثم خليفته ومعهما قيادات وازنة وكبيرة، سارعت طهران الى تأمين البديل أي الشيخ نعيم قاسم الذي رفض الإنتقال الى طهران عبر الطريق البري الذي كان ما يزال مفتوحا. يومها ساد الكلام بأن تعيين قاسم مؤقت بانتظار انتهاء الحرب والذهاب الى تعيينات جديدة. ذلك أن قاسم وعلى الرغم من موقعه كنائب للأمين العام لم يكن يحظى بشعبية داخل صفوف الحزب لا بل العكس. لكن مع ثباته طوال فترة الحرب وفي لبنان، وأيضا تفاعله وتفاهمه مع القيادة الإيرانية، أضحى التوجه بأنه يلائم جدا المرحلة المقبلة. ما يعني أنه سيبقى ثابتا في موقعه على رأس الحزب طوال المرحلة المقبلة. إلا أن تركيبة حزب الله واسعة وكبيرة، والكثير من المواقع فرغ، وهو ما يستدعي إجراء ورشة تنظيمية جديدة. لكن الجسم الجديد لحزب الله يجب أن يتوافق مع المهام الجديدة للحزب. وبالتالي يصبح السؤال: أي حزب الله نريد؟
ذلك أن المهمة الكبيرة التي تولاها الحزب أيام السيد نصرالله بقيادة محور المقاومة انتهت. والضاحية الجنوبية التي لعبت دور غرفة عمليات ساحات المنطقة، انتهت بسبب نتائج الحرب. كذلك فإن التركيبة العسكرية التي كانت بحجم جيش كامل والتي كانت خططها تلحظ اجتياز الحدود والوصول الى الجليل الأعلى لم تعد قائمة بالمعنى الفعلي للكلمة. فحتى الأنفاق التي بنيت على هذا الأساس والتي عرفت بالأنفاق الهجومية جرى تدميرها. وإعادة حفرها لم تعد بالأمر اليسير في ظل الظروف الحالية. ولكن هل هذا يعني أن حزب الله أدار ظهره لكل هذا المشروع؟ أغلب الظن أن ورشة إعادة التنظيم والتي ستحدد الجسم الجديد لحزب الله ستشكل الجواب المطلوب.
رغم ذلك فإن الإشارات العديدة الصادرة من الضاحية الجنوبية ومن طهران على السواء لا تظهر بأن حزب الله سيتخلى عن عمله العسكري، والذي يشكل مطلبا أمميا. وإذا كان مشروع إعادة بناء الجسم العسكري الضخم السابق بات صعبا جدا، فإن العودة الى مراحل التسعينات يصبح الهدف المنشود. أي العودة الى المجموعات السرية والتي تعمل تحت الأرض والمترابطة وفق تركيبة خاصة.
ومعها يمكن الإستنتاج بأن المهام بوجه إسرائيل تصبح بصيغة دفاعية لا هجومية. ولكن هذا سيتطلب وقتا لا بأس به، مع السعي للحصول على أسلحة خفيفة ومتوسطة. وربما على طريقة غزة قد يكون هنالك من يراهن على “تسرب” أسلحة عبر سوريا بطرق مختلفة. فالتهريب مهنة قديمة وشائعة لها أربابها وتمتهنها عشائر وعائلات موجودة عند الحدود. والأوضاع في سوريا ما تزال غير مضبوطة. فهنالك مجموعات متعددة وغير منسجمة في كثير من الأحيان. ومن بينها مجموعات إسلامية تتأثر بحركة حماس التي تلقت مساعدات كثيرة من حزب الله. كذلك هنالك الحاجة المالية التي جعلت على سبيل المثال ضباطا في الجيش السوري السابق يقومون ببيع بعض المعدات والأسلحة والذخائر بعد سقوط النظام لقاء بدل مادي والمساعدة في تهريبها الى البقاع. لكن هذه الكميات تبقى محدودة. وجاء استهداف الطائرات الإسرائيلية لكوادر لحزب الله في الهرمل لتعزز هذه الرواية.
ولأن حزب الله بحاجة لفترة من الوقت لإعادة تنظيم نفسه كان التوجه بانتهاج سياسة علنية مفادها إعطاء السلطة اللبنانية “فترة سماح” حول كيفية تعاملها مع الإعتداءات الإسرائيلية المستمرة وخروقها المتكررة لقرار وقف النار. وأغلب الظن أن حزب الله قد يجد في موعد الإستحقاق النيابي المقبل موعدا مؤاتيا لاستعادة حضوره السابق، لاسيما وأنه سيكون قد ترجم قوته الشعبية بكتلة نيابية كبيرة ومتنوعة الى جانب حركة أمل. وهنا من المنطقي الإعتقاد بأن سلوكه مع تشكيل الحكومة المقبلة سيكون مختلفا. وأغلب الظن أن أولى المطالب ستكون لإعادة فتح المجال الجوي المباشر مع طهران.
وصحيح أن لحزب الله وإيران دفتر حساب في لبنان لم يقفل بعد، إلا أن هنالك حسابات المحور الذي يخاصمهما، والذي يريد بقوة عدم العودة الى الوراء بأي ثمن. وبتعبير أوضح عدم السماح لإيران باستعادة موقعها على شاطىء البحر المتوسط، وهذا الفريق يمسك بأوراقه. فعدا انقطاع التواصل البري هنالك المعيير الجوية الجديدة والرقابة البحرية الصارمة. إضافة الى الإستمرار في ضبط التمويل الكبير والذي يسمح بالتقاط أنفاس الحزب. والأهم الملف الذي يشكل الوجع الأكبر وهو ملف إعادة الإعمار. صحيح أن رواتب حزب الله ما تزال مؤمنة، وأيضا قسم من التعويضات، إلا أن ملف الإعمار يحتاج لأموال ضخمة لا تبدو متيسرة حتى الساعة. ومن السذاجة الإعتقاد ولو للحظة واحدة بأن دول الخليج ستؤمن هذه المبالغ من دون ضمانات سياسية وأمنية، خصوصا وأنها تدرك ثقل هذا الملف على بيئة حزب الله.
كما أن هنالك استحقاقات تنتظر إيران من الآن وحتى الصيف المقبل والمتعلقة بالبرنامج النووي، وهو سيتطلب إما تسوية مع بنود صارمة أو مواجهة. وفي كلا الحالتين فإن حزب الله سيتأثر.
وثمة جانب إقليمي غامض قد يجعل حزب الله يتمسك بالعودة الأمنية ولكن “تحت الأرض”. فما يجري في سوريا يشي بالذهاب الى مشروع تفتيت سوريا الى كيانات طائفية. وهو ما يعني استعادة النظريات السابقة والتي تحدثت عن إلغاء حدود سايكس بيكو لصالح دويلات طائفية صغيرة وفقيرة ومتناحرة. وفي حال صحت هذه المخاوف، فهذا سيعني أنها ستصيب الجغرافيا اللبنانية أيضا. وبيئة حزب الله تبدو مشتتة جغرافيا بين الجنوب وخط تماسه مع إسرائيل، والبقاع الشمالي وخط تماسه الجديد مع القوات السورية المتصارع معها عقائديا. وفي هذه الحالة سيفكر في كيفية التواصل مع “دويلة” الساحل السوري عبر حمص.
وإذا كانت هذه الصورة هي التي ستخيم على المستقبل، عندها يمكن وضع تفسير آخر لكل الترتيبات الجارية حاليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى