مقالات صحفية

“مواقف قاسم نهائية أم مرحلية؟” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

بعد نيل الحكومة الثقة، تكون الإجراءات الدستورية المطلوبة قد اكتملت لانطلاق عهد الرئيس العماد جوزف عون. وهي انطلاقة تختزن معادلة داخلية جديدة ومختلفة بشكل كامل عن تلك التي قامت في المراحل الماضية، وتحديدا منذ اتفاق الدوحة عام 2008 والذي شهد تمدد نفوذ حزب الله الى معظم مفاصل الدولة.
فيومها جرت تسوية إقليمية بمفاعيل لبنانية، شاركت في صياغتها إيران وسوريا من جهة والدول الخليجية ومن خلفها فرنسا والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. وجاء الإتفاق ليطوي الصفحة الدموية التي بدأت مع إغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من صدور القرار الأممي 1559، ومن ثم الإنسحاب السوري من لبنان، وبدء مرحلة الإضطرابات الأمنية والإغتيالات وصولا الى أحداث 7 أيار الشهيرة. وبغض النظر عن البنود المعلنة التي تضمنها اتفاق الدوحة، إلا أن “فلسفته” قامت على أساس استعادة الإستقرار الأمني في مقابل تأمين الضوابط الحازمة والمشاركة في السلطة. ومن هنا نشأت معادلة الثلث المعطل داخل الحكومة لفريق الأقلية النيابية والذي كان يعرف حينها بفريق الثامن من آذار. لكن هذه الأقلية النيابية سرعان ما نجحت في الإمساك بمعظم مفاصل الدولة والإستحواذ على رئاسة الجمهورية قبل أن تعمد الى إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية سمح لها بالفوز بالأغلبية النيابية. لكن هذه المعادلة تبدلت بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، وأيضا بعد تبدل موازين القوى على المستوى الإقليمي أكان في غزة أو خصوصا في سوريا. كل هذه التطورات الهائلة أنتجت موازين قوى جديدة في لبنان، ما فرض ظهور معادلة جديدة على مستوى السلطة.
وصحيح أن الرئيس السابق العماد ميشال عون كان سبق الرئيس العماد جوزف عون في جعل السعودية أولى محطاته الخارجية، إلا أنه ثمة فارق كبير بين معاني الزيارتين. فالأولى جاءت شكلية وكتتمة للإتفاق الذي سمح بإيصال عون الأول الى قصر بعبدا. يومها أرادت السعودية الزيارة للتأكيد على حيادية الرئاسة للصراع الإقليمي الدائر على الساحة اللبنانية، وهو ما جرى نقضه سريعا وبقية القصة معروفة. أما زيارة الرئيس جوزف عون فتأتي للتأكيد على تبدل المعادلة الداخلية، وخروج السلطة من التأثير الإيراني عبر حزب الله، وهو ما تظهره التوازنات الحكومية الجديدة والخالية من حسابات الثلث المعطل.
لكن زيارة الرئيس جوزف عون الى السعودية ستكون سريعة، حيث سيبيت ليلة واحدة وسيلتقي خلالها بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قبل أن يتوجه الى القاهرة للمشاركة في أعمال القمة العربية. وبخلاف ما ساد سابقا، فإن الوفد المرافق للرئيس اللبناني لن يتضمن وزراء وسيكون محدودا. وبالتالي لن يحصل أي توقيع على أي اتفاقات كان جرى التداول بها سابقا. ذلك أن الفريق الوزاري اللبناني بحاجة لدرس هذه الإتفاقات، فيما الحكومة نالت ثقتها للتو.
لكن ما لفت كانت تلك الهمسات التي تحدثت عن أن القرار السعودي بفتح خطوط المساعدات الى لبنان لم يتخذ بعد، وقد يكون التعبير الأكثر دقة بأن شيئا لم يتغير بعد على هذا الصعيد. وهو ما يدفع للإستنتاج بأن المستجدات التي شهدتها الساحة اللبنانية لم ترتقي الى مستوى الثبات والديمومة.
فشد الحبال الذي واكب تشكيل الحكومة، والصراعات والمواجهات التي دارت على طريق المطار قد تكون ساهمت في تكوين هذه الصورة. أما خطاب أمين عام حزب الله في تشييع السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين وعلى الرغم أنه تضمن جديدا أساسيا إلا أن هنالك من يضعه في إطار تمرير الوقت والمرحلة وليس في خانة الإلتزامات والخيارات النهائية. وهي تعتقد بأن إيران التي تواجه وضعا دوليا صعبا لم تظهر بعد أي التزام نهائي بالتخلي عن ساحات نفوذها وفي طليعتها لبنان. وبالتالي فهي تراهن على الإنحاء بوجه العاصفة وبالتالي تقطيع المرحلة بأقل الأضرار، على أن يجري في هذا الوقت تحقيق مسألتين أساسيتين:
الأولى، الحصول على المساعدات المالية المطلوبة لإعادة الإعمار. وأن هذه الأرصدة الضخمة لا يمكن تأمينها إلا عبر دول الخليج العربي.
والثانية، فهي استثمار الوقت لإعادة بناء القدرة العسكرية لحزب الله ولكن تحت الأرض وبسرية مطلقة ووفق ما تقتضيه الظروف، ومع الإقرار بأن هذا الأمر يتطلب سنوات عدة، وإيجاد السبل المطلوبة لإعادة التسلح. وعندما يحين الظرف الدولي والإقليمي فإن “شراهة” إسرائيل ستبقى قائمة لتقدم الذريعة المطلوبة للعودة الى ما كانت عليه الأمور. أضف الى ذلك أن الزخم الذي يواكب عادة إطلاق العهود وأولى حكوماتها من المفترض أن يكون قد تراجع وخفت في مقابل صعود “جاذبية” المعارضة، ما سيجعل الظروف الداخلية أكثر ملاءمة.
ووفق ما سبق فمن الواضح الإستنتاج بأن المؤسسات الدولية والجهات العربية لا تبدو (أقله حتى الآن) في وارد تخصيص أمولا للبنان إلا بعد البدء بالقيام بإصلاحات مالية تحت إشراف صندوق النقد الدولي، وعلى أن تكون مترافقة مع “إنجازات” عسكرية تطبيقا لمبدأ “إحتكار الدولة للسلاح”.
ولكن ثمة ما هو أبعد ولا بد من التوقف عنده. فالكلام الذي كشف عنه النائب الإشتراكي وائل أبو فاعور حول طلب دولي بالتطبيع مع إسرائيل يستوجب التوقف عنده والتفكير به مليا.
فوفق معلومات يجري التداول بها في الكواليس الديبلوماسية فإن إدارة دونالد ترامب أصدرت قرارا يسمح بإطلاق يد في الضفة الغربية. ويأتي هذا القرار بعد الزيارة التي قان بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كأول مسؤول أجنبي يلتقيه ترامب بعد دخوله البيت الابيض. والمقصود بالقرار الأميركي تقديم المساعدة الأميركية لإسرائيل في مهمتها. ويتزامن ذلك مع تكثيف الجيش الإسرائيلي لعملياته في الضفة الغربية، وحيث دخلت دبابة الميركافا للمرة الأولى منذ العام 2002 الى شمالي الضفة. ويعمل الجيش الإسرائيلي على تدمير المباني والبنى التحتية، أي باختصار على استنساخ سيناريو غزة في الضفة، وجعل الحياة صعبة إن لم تكن مستحيلة. وفي الوقت نفسه تحدث ترامب عن “ريفييرا” غزة، وهو يضغط على الأردن ومصر لاستبعاب الفلسطينيين. ووفق ذلك يصبح الإستنتاج واضحا بأن إدارة ترامب ستساعد نتنياهو واليمين الإسرائيلي في مشروعه للقضاء على القضية الفلسطينية. لكن ثمة ما هو أكبر وأخطر.
فخلال الأيام الماضية صدرت مواقف إسرائيلية تتعلق بجنوب سوريا والمنطقة العازلة وحماية المناطق ذات الأغلبية الدرزية. وترافق ذلك مع تحركات عسكرية للجيس الإسرائيلي. ومنذ أيام معدودة جرى الإعلان عن تشكيل تنظيم عسكري جديد في السويداء وحمل إسم “المجلس العسكري في السويداء”، وهو مؤلف من ضباط وعناصر كانوا خدموا في الجيش السوري سابقا، ما يعني أنهم يمتلكون خبرات قتالية. لكن الأهم أن مرحلة التحضير لإعلان ولادة التنظيم جرى بالتنسيق مع قوات “قسد” التي تعمل بقيادة الأكراد والتي لديها علاقات وثيقة مع الجيش الأميركي. ويتردد بأن التنظيم الدرزي الجديد يتبنى عناوين لها علاقة بالإدارة الذاتية، تماما كما تتبنى المجموعات الكردية هذه القناعة.
واستتباعا، يصبح التساؤل حول المخاطر المحيطة بالجنوب اللبناني أكثر واقعية. وهو ما يستوجب تدارك المخاطر بكثير من الحنكة والوعي، وليس بالإندفاع غرائزيا ما سيمنح إسرائيل الأعذار التي تتمناها.
وبالأمس صدر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي رفع من درجة التحذير من ملف النووي الإيراني. فأشار الى أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب زاد “بشكل حاد ومقلق للغاية”. وجاء التقرير بمثابة جرس الإنذار والذي يمهد لخطوة أكبر يجري التحضير لها بعناية من الآن وحتى الصيف المقبل. وبالأمس أيضا اشارت موسكو وطهران على السواء أن مباحثات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نظيره الإيراني تناولت أيضا الملف النووي. ولا حاجة للإشارة بأن التفاهمات بين الكرملين والبيت الأبيض آخذة في التسارع، ليس فقط حول إقفال ملف الحرب في أوكرانيا بل أيضا حول ما يتعلق بوضع القارة الأوروبية ككل، وأيضا استمالة روسيا لدفعها بعيدا عن الصين التي تسكل الهدف الأساسي في الإستراتيجية الأميركية.
وبات معروفا أن واشنطن تريد “نزع أنياب إيران النووية” من دون المس باستقرارها الداخلي. وتريد أيضا “تصفية” مشروعها الإقليمي وتمددها غربا وصولا الى البحر المتوسط، مقابل حصر وتركيز نشاطها شرقا باتجاه الصين.
وضمن حدود هذه الدائرة ما يزال لبنان واقفا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى