
افتتحت هيئة الحوار الثقافي الدائم وبرعاية وحضور النائب بلال الحشيمي مهرجان الشعر العربي والفنون دورة جبران خليل جبران بمشاركة نخبة من شعراء لبنان والوطن العربي في مدرسة افروس كوليج – تعلبايا وحضور حشد من البقاع.
خلال المهرجان القى النائب الحشيمي كلمة وهذا ما جاء فيها::
الحضورُ الكريم ….
اسمحوا لي أوَّلاً أَنْ أتقدَّمَ بالشُّكرِ للشَّاعرِ العزيزِ الدكتور عبد الكريم البعلبكي الّذي زَرَعَ نبتَةَ الشِّعرِ في قب الياس ومنْ ثُمَّ وزَّعها إلى البقاعِ ومِنْ ثُمَّ إلى لبنان ومن ثُمَّ وصلَ بِها إلى العالميَّة.
أيُّها السَّادة:
إنّهُ لَمِنْ دواعِي سُرورِنَا أنْ تَستَقبِلَ مدرستُنَا كوكبةً منَ الشُّعراءِ والمُثقَّفينَ،
وإنَّهُ لَشرَفٌ لنَا أنْ نَكونَ في خِضَمِّ مهرجانِ الشَّعرِ العربيِّ والفنونِ- دورةُ جُبران خَليل جُبران..
إنَّ أهميَّةَ هذهِ المهرجاناتِ الثَّقافيَّةِ تكمُنُ في إسهامِهَا في ارتقاءِ المشهدِ الشّعريِّ وتَطويرِهِ، ولمِّ شملِ الشُّعراءِ والمبدعينَ.
وهي تضْطلعُ في حمايةِ اللُّغةِ، ودعمِ الهويّةِ والقِيَمِ الإنسانيّةِ، وهيَ فُرْصةٌ لتَمازُجِ الآراءِ والأفكارِ، وإِضْفاءِ لَبِنَةٍ جديدةٍ في صرحِ الثَّقافةِ العربيَّةِ.
ولَا شكَّ أنَّ هَذِه الفعاليَّاتِ, مِنْ شأْنِهَا أَنْ تَعمَلَ على تَدْعِيمِ أَواصِرِ الوحْدةِ والْمحبَّةِ بَيْنَ الأشقَّاءِ العربِ؛ بِمَا تَشملُهُ مِنْ قضايَا إِبْداعيَّةٍ مُشتركَةٍ. وهيَ تعزِّز مِن قِيمةِ الثَّقافةِ والْمسْؤوليَّةِ العربيَّةِ المشْتركةِ, المَعْنيَّةِ بِتحْقِيقِ الشُّمولِ والتَّكامُلِ بيْننَا .
فِي الحقيقةِ حَتَّى وَإِنْ كَانَتِ المناسبةُ ثَقافِيَّةً شِعْريَّة بِامْتياز . . . إِلَّا أَننِي كسياسيٍّ لَا أَفصِلُ السِّياسةَ عن الشِّعْرِ . .
فالسِّياسةُ تُلاحقنَا إِلى الشِّعْرِ، فَإذَا بِنَا نَهرُبُ مِنهَا إِليْهَا، ولَا نَجِدُ مُسْتراحَاً مِن شُجونِهَا .
نعمْ لَقد اِقْتحَمتِ السِّياسةُ القصائِدْ…..
وَلعِبَ الشِّعْرُ دوْرًا فِي صِياغةِ الوعْي السِّياسيِّ فِي المجْتمعِ، وَلأَنَّ الشِّعْر كانَ ولَا يَزَالُ مَلجَأَ الفرْدِ مِنْ بَطْشِ السُّلْطةِ، وَأَداةً لِكَسرِ اَلقُيودِ اَلّتِي تفْرِضُهَا عليْه؛ نشأَ الشِّعْرُ السِّياسيُّ؛ اَلذِي يَهدِف مِن خِلالهِ الشَّاعرُ إِلى التَّعْبيرِ عنْ رَأيِهِ السِّياسيِّ فِي مَا يَجرِي حَولَهُ مِنْ أَحدَاثٍ، مِن خِلَالِ رُؤْيتهِ الخاصَّةِ اَلَّتِي تَكشِفُ حَقِيقَةَ الواقعِ السِّياسيِّ وتجلِّياتِهِ.
لَقدْ وَاجَهَ الشِّعْرُ السِّياسيُّ السُّلْطةَ وحاربَهَا واستمرَّ الصِّدَامُ بَيْنَ اَلحُكَّامِ والشُّعراءِ، فكانتِ السُّجونُ ساحاتِ سِجَالٍ بيْنهمَا، وَكذَلِك الصِّحافةُ والْمنابرُ الإعْلاميَّة.
فالشِّعْرُ قد يَكُونُ أحْيانًا فِي صَالِحِ السِّياسةِ وَفِي خِدْمتِهَا ، وقد يَكُونُ بِالضِّدِّ مِنهَا.
وقد تَكُونُ السِّياسةُ فِي خِدْمَةِ الشِّعْرِ، وقد تُتْلِفُهُ أيْضًا.
لَكِنْ ، يَبقَى الشِّعْرُ ، خزينَ الخيَالِ ، ومِضْمَارَ الأحاسيسِ والانْفعالاتِ والْخلَجاتِ والاعتِلاجاتِ العميقةِ حِيَالَ حدثٍ، أو شَخْصٍ أو مَكَانٍ أو ظَرْفٍ ذَاتِيٍّ، أو مَوضُوعيٍّ مُعيَّن .
ومثْلَمَا أن السِّياسة لَا تُكَالُ بِالشِّعْر ، لَا يُكَالُ الشِّعْرُ بِالسِّياسةِ .
والسِّياسةُ مَبثُوثةٌ فِي ثنايَا دَواوِينِ الشِّعْرِ العرَبيِّ مُنْذ أنْ بكى صَاحِبُ اِمْرِئ القيْس، لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ ، وأدْرَكَ أَنَّهُما يَمْضِيَانِ إِلى قَيصَرَ والسِّياسةُ مِحوَرُ شعرِ زُهَيرٍ بن أَبِي سُلمَى اَلّذِي اِسْتنْكَرَ الحرْبَ مُذَكِّراً قَومَهُ بِمَا عَلِمُوا مِن شُرورِهَا، وَبمَا ذَاقُوا مِن بَلائِها (ومَا الحرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُم وذقْتُمُ)…..
فَهِيَ الذَّميمةُ وَهِي اَلّتِي تَعرُكُ القوْمَ (عَرْكَ الرَّحى) . .
والسِّياسةُ قَتلَتْ طَرفَةَ بْنَ العبْدِ ، حِينَ أَفَاقَ على الدُّنْيَا وَهُو فتى فَوجَدَ قرابَتَهُ يسْتبيحونَ حقُّهُ. والسِّياسةُ جَعلَتْ عَمرَو بْنَ كُلْثُومٍ يَجهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجّاهلينَ، والسِّياسةُ رَوَّعَتِ النَّابغةَ الذُّبْيانيَّ؛ فالسِّياسةُ أرادتْ إِقصَاء ذُبْيان عن مَوقِع ضَخْم عِنْدَ النُّعْمان، وَهِي ذَاتُها اَلتِي قَادَتِ النَّابغةَ إِلى بني غَسَّان.
وقد تَجلَّتِ السِّياسةُ فِي أَسمَى مواقِفِهَا، فِي قَوْلِ اَلنبِيِّ مُحمَّد (صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم) لِحسَّان بْن ثَابِت: (إِنَّ رُوحَ اَلقُدس معك مَا هِجيتْهم)….
وَهذَا كَعْبُ بْنُ زُهَيرٍ وقد جاءَ مُذْعِناً لِنصْحِ أخيهِ (بُجَير) فأعْلنَ اِلتزامَهُ “والْعَفْو عِنْد رَسُول اَللَّه مَأمُول”، وَنَال اَلبُرْدَةَ اَلَّتِي رَفعَتْ شَأْنَ الشِّعْرِ فِي الإسْلامِ .
وقد غَرِقَ شِعْرُ المتنبِّيْ فِي السِّياسةِ حَتَّى قتلتْهُ. وهناكَ على المقْلبِ الآخرِ فِي الأنْدلسِ أَطَاحَ الغرَامُ السِّياسيُّ بِابْنِ زَيدُونَ، وقادَهُ إِلى السِّجْنِ، وقدْ جَعلَهُ يفيضُ رِقَّةً وحزْنًا وأسًى :
(نَكَادُ حِينَ تناجيكُمْ ضمائِرُنَا….. يَقضِي عليْنَا الأسى لَولَا تَأَسِّينَا)
وَلقَدِ اِسْتطَاعَ الشِّعْرُ أنْ يَهزِمَ السِّياسةَ اَلَّتِي تَقتُلُ بِلَا هَوادَةٍ ، لِأنَّ الشِّعْرَ شَمْسُ المحَبَّةِ، والسِّياسةُ غُروبُهَا.
فَفِي السِّياسة تَتسِعُ هُوَّةُ البغْضاءِ والْكراهيةِ، دُونَ أن تَترُكَ مُتَّسعًا لِحبِّ الحيَاةِ .
والْأيْديولوجْيَا تَقتُل الشِّعْر اَلذِي هُو رِسالةٌ إِنْسانيَّةٌ.
وحينَمَا يَأذَنُ السِّياسيُّ بِالْقَتْلِ يَتَألَّمُ الشَّاعرُ مِنْ هَوْلِ الخسارةِ .
ومَا أحْوجَنَا اليوْمَ إِلى شِعْرِ جُبْرانْ خليلْ جُبْرانْ وتعاليمِهِ الإنْسانيَّةِ الكوْنيَّةِ حِينمَا يَقُولُ فِي كِتابِهِ دَمعَةٌ وابْتسامة :
“ أَنْت أَخِي ، وَأنَا أُحبُّك ، . . . . . . إِلى آخر كلامِهِ.
إِذَا أَردْنَا أنْ نُسْهِبَ فلن تَكْفيَنَا الصَّفحاتُ والصَّفحاتْ….
لَكنَّنِي أَختَصرُ وَأختِمُ بِالْقَوْلِ:
أنَا كَسِياسِيٍّ أحْتاجُكَ كَشاعِرٍ، وأنْتَ كَشاعِرٍ تحْتاجُنِي كَسياسيٍّ، ونحْنُ نَأتَلِفُ معًا عِنْدمَا نَقِفُ عِنْدَ نُقطَةِ اَلحَقِّ.
اهلا وسهلا بكم في لبنان الشقيق…
والسَّلامُ عليْكُمْ ورحمةُ اَللَّهِ وبركاتُه .



