ثقافة ومجتمع

مقتطفات من رسالة مارون الناسك إلى الموارنة في 9 شباط 2021

عقل العويط

“… ومن مواهبكم ومعاييركم أنْ تكونوا زهّادًا نسّاكًا متقشّفين، وأنتم في قلب العالم. وأنْ تكونوا في قلب العالم، وفي ضميره، وهمومه، وأوجاعه، ومشقّاته، ومغرياته، وصغائره، وأنتم مناراتُ خيرٍ وفرحٍ وعزاءٍ وترفّعٍ وكِبَرٍ وبذل. وأنْ تكون صلبانكم من خشب وتيجانكم من قصب. وأنْ تكونوا ملافنةً ومثقّفين ومفكّرين ولغويّين وأدباء وعلماء وشعراء وفنّانين ومرنّمين وأُباةً وأحرارًا وأصحابَ شكيمةٍ وأشدّاء وليّني عريكة. وأنْ لا تطيقوا ارتهانًا ولا التحاقًا ولا تعفيرَ رؤوسٍ ولا تمريغَ جباه. وأنْ لا تكونوا مرتزقةً ولا مأجورين ولا ملحقين بأحد، وأنْ لا توصَموا بتهمةٍ أو بخيانة. وأنْ لا تطلبوا مجدًا ولا منصبًا ولا كرسيًّا لقاء شرفٍ مسفوحٍ وكرامةٍ مهدورة. وأنْ لا تكنزوا كنوزًا في الأرض على حساب كنوز السماء. وأنْ لا تكونوا أهل رياءٍ ومكرٍ وغدرٍ ونفاق. وأنْ لا تكونوا انتهازيّين، ولا منبطحين، ولا قَتَلَةً، ولا واقفين في صفوف القَتَلَة، وراءهم أو أمامهم. وأنْ لا تعيثوا فسادًا وظلمًا في الأرض. وأنْ لا تنحازوا ضدّ حقّ. وأنْ تترفّعوا عن الضغائن والأحقاد والعنصريّات والمذهبيّات والطائفيّات. وأنْ تنبذوا الرياسات إذا كانت على حساب حرّيّتكم وكرامتكم. وأنْ تختاروا رمزيًّا، عراء جبل قورش – ولا تنقصكم الجبال ولا نسور الجبال – بدل خزي العالم وعاره، وخصوصًا عندما تُمتَحَنون في الكرامة والحرّيّة والسيادة على الذات.
… وقد تناهى إليَّ، حيث أنا، أنّ الغالب الأعمّ من كبار القوم فيكم ووجهائكم وأسيادكم ورؤسائكم وزعمائكم وقادتكم وأولي الأمر فيكم، فضلًا عن كثيرين من الأبناء والبنات، ضاقوا ذرعًا بي، بسيرتي، بمعنايَ، بجوهر رسالتي، وبأصل الأصل، وبمَن أنتمي إليه، وبما كنتُ عليه، وبما سأكون أنا عليه إلى آخر الأزمنة والدهور. فصرتُ أُسَبُّ وأُذَمُّ وأُشتَمُ بسببٍ ممّا أنتم فيه وعليه، ولغيرِ علّةٍ فيَّ. وقد عزَّ عليَّ، وأضناني، وأجهدني، وأبكاني، وأسقاني الخلَّ، ما انتهى إليه كثيرون من صِغَرِ نفسٍ، وإسفافِ فكرٍ، وقحطِ مواهب، وقصرِ نظرٍ، وامتلاءٍ منتفخٍ بالذات، وانحلالِ كرامةٍ، وإمعانٍ في المهانة والذلّ والتقيّة والذمّيّة والالتحاق. علمًا أنّي لم أطلبْ مكانةً ولا رياسةً ولا مالًا ولا جاهًا ولا مجدًا ولا سلطانًا في الأرض. وإذا كنتُ لا أرفض لكم في المطلق مقامًا عاليًا، فشرطُهُ الذي لا مهادنة أو نقيصة أو مذمّة فيه، أنْ تكونَ القيادةُ والزعامةُ والسلطةُ والرياسةُ فيه أمينةً للأخلاق، للقيم، للمعايير، وللإسم الموسومة به، لا خائنةً له، أو مستخدمةً إيّاه، أو متصرّفةً به، ومصرِّفةً فحواه بكلّ الأثمان، فكيف بأقلَّ من ثلاثين فضّة.
… وأعلموا علم اليقين أنّي لن أجد سببًا أو مدعاةً لليأس على رغم ما سبق إيراده من مآلاتٍ مخزية، بل أعتبر هذا كلّه امتحانًا لي ولرسالتي من الألوهة البهيّة، لأزداد شحذًا للعقل والقلب، وتجهّدًا وسهرًا ونسكًا وومضًا وامتلاءً بالروح الذي لا ينفكّ يعزّيني، ويشدّ أزري، ويمدّني بموهبة الاجتهاد والجهاد والصبر على المحن، ويلهمني أنْ أظلّ واقفًا في ليل العالم لأشهد للنور.
… وبعد، فإنّ ما يضمّد جروحي، ويبلسم الطعنات الخمس، في قلبي، ويديَّ، وقدميَّ، على مثال طعنات المسيح، أنّ مواهب البطولة الزاهدة القدّيسة في جبل قورش، لم ينطفئ أوارها لدى الموارنة، فهي لا تزال ترشح زيتًا أعجوبيًّا في أنطاكيا بأسرها وفي سائر العالم، وهو الزيتُ النقيّ الكريم الحرّ الذي “أُعطيَ مجدَ لبنان” (باعتبار لبنان رحابةً روحيّةً وثقافيّةً وفكريّةً وسياسيّةً، ودولةً للعقل والحقّ والقانون والدستور والعدل والحرّيّة والكرامة والأنسنة، لا باعتباره إقطاعاتٍ ودويلاتٍ للطوائف والمذاهب والعنصريّات وكلّ أشكال الخساسة والرثاثة والفساد)، ولا بدّ أنْ يُصانَ هذا “المجد” بالكرامة التي لا تشوبها شائبة، لتُضاءَ به الآن قلوبٌ غفيرةٌ غفيرة، شجاعةٌ مقدامةٌ فتيّة، وساحاتٌ وصوامعُ ومناراتٌ وقناديلُ وسراجات، من أجل الحرّيّة ولبنان والشرق والعالم…”.
)عن مارون الناسك، ومن رسالته إلى موارنة هذا الزمان، في 9 شباط 2021، بتصرّفٍ واختصارٍ شديدَين(.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى